البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٠ - ثم دخلت سنة ست و خمسين
عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، و كان ألينهم كلاما عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، ثم خطب معاوية و هؤلاء حضور تحت منبره، و بايع الناس ليزيد و هم قعود و لم يوافقوا و لم يظهروا خلافا، لما تهددهم و توعدهم، فاتسقت البيعة ليزيد في سائر البلاد، و وفدت الوفود من سائر الأقاليم إلى يزيد، فكان فيمن قدم الأحنف بن قيس، فأمره معاوية أن يحادث يزيد، فجلسا ثم خرج الأحنف فقال له معاوية: ما ذا رأيت من ابن أخيك؟ فقال: إنا نخاف اللَّه إن كذبنا و نخافكم إن صدقنا، و أنت أعلم به في ليله و نهاره، و سره و علانيته، و مدخله و مخرجه، و أنت أعلم به بما أردت، و إنما علينا أن نسمع و نطيع، و عليك أن تنصح للأمة. و قد كان معاوية لما صالح الحسن عهد للحسن بالأمر من بعده، فلما مات الحسن قوى أمر يزيد عند معاوية، و رأى أنه لذلك أهلا، و ذاك من شدة محبة الوالد لولده، و لما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، و سيما أولاد الملوك و معرفتهم بالحروب و ترتيب الملك و القيام بأبهته، و كان ظن أن لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في هذا المعنى، و لهذا قال لعبد اللَّه ابن عمر فيما خاطبه به: إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع، فقال له ابن عمر: إذا بايعه الناس كلهم بايعته و لو كان عبدا مجدع الأطراف. و قد عاتب معاوية في ولايته يزيد، سعيد بن عثمان بن عفان و طلب منه أن يوليه مكانه، و قال له سعيد فيما قال: إن أبى لم يزل معتنيا بك حتى بلغت ذروة المجد و الشرف، و قد قدمت ولدك على و أنا خير منه أبا و أما و نفسا. فقال له:
أما ما ذكرت من إحسان أبيك إلى فإنه أمر لا ينكر، و أما كون أبيك خير من أبيه فحق و أمك قرشية و أمه كلبية فهي خير منها، و أما كونك خيرا منه فو اللَّه لو ملئت إلى الغوطة رجالا مثلك لكان يزيد أحب إلى منكم كلكم. و روينا عن معاوية أنه قال يوما في خطبته: اللَّهمّ إن كنت تعلم أنى وليته لانه فيما أراه أهل لذلك فأتمم له ما وليته، و إن كنت وليته لأني أحبه فلا تتمم له ما وليته.
و ذكر الحافظ ابن عساكر أن معاوية كان قد سمر ليلة فتكلم أصحابه في المرأة التي يكون ولدها نجيبا، فذكروا صفة المرأة التي يكون ولدها نجيبا: فقال معاوية: وددت لو عرفت بامرأة تكون بهذه المثابة؟
فقال أحد جلسائه: قد وجدت ذلك يا أمير المؤمنين. قال: و من؟ قال: ابنتي يا أمير المؤمنين.
فتزوجها معاوية فولدت له يزيد بن معاوية فجاء نجيبا ذكيا حاذقا. ثم خطب امرأة أخرى فحظيت عنده و ولدت له غلاما آخر، و هجر أم يزيد فكانت عنده في جنب داره، فبينما هو في النظارة و معه امرأته الأخرى، إذ نظر إلى أم يزيد و هي تسرحه، فقالت امرأته: قبحها اللَّه و قبح ما تسرح. فقال:
و لم؟ فو اللَّه إن ولدها أنجب من ولدك، و إن أحببت بينت لك ذلك، ثم استدعى ولدها فقال له:
إن أمير المؤمنين قد عنّ له أن يطلق لك ما تتمناه عليه فاطلب منى ما شئت. فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يطلق لي كلابا للصيد و خيلا و رجالا يكونون معى في الصيد. فقال: قد أمرنا لك