البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٤ - فصل في ذكر شيء من فضائله
و أما رأس الحسين رضى اللَّه عنه
فالمشهور عند أهل التاريخ و أهل السير أنه بعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية، و من الناس من أنكر ذلك. و عندي أن الأول أشهر فاللَّه أعلم. ثم اختلفوا بعد ذلك في المكان الّذي دفن فيه الرأس، فروى محمد بن سعد أن يزيد بعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد نائب المدينة فدفنه عند أمه بالبقيع، و ذكر ابن أبى الدنيا من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن عمر بن صالح- و هما ضعيفان- أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى توفى فأخذ من خزانته فكفن و دفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق. قلت: و يعرف مكانه بمسجد الرأس اليوم داخل باب الفراديس الثاني. و ذكر ابن عساكر في تاريخه في ترجمته ريّا حاضنة يزيد بن معاوية، أن يزيد حين وضع رأس الحسين بين يديه تمثل بشعر ابن الزبعري يعنى قوله:-
ليت أشياخى ببدر شهدوا* * * جزع الخزرج من وقع الأسل
قال: ثم نصبه بدمشق ثلاثة أيام ثم وضع في خزائن السلاح، حتى كان زمن سليمان بن عبد الملك جيء به إليه، و قد بقي عظما أبيض، فكفنه و طيبه و صلى عليه و دفنه في مقبرة المسلمين، فلما جاءت المسوّدة- يعنى بنى العباس- نبشوه و أخذوه معهم. و ذكر ابن عساكر أن هذه المرأة بقيت بعد دولة بنى أمية، و قد جاوزت المائة سنة فاللَّه أعلم. و ادعت الطائفة المسمون بالفاطميين الذين ملكوا الديار المصرية قبل سنة أربعمائة إلى ما بعد سنة ستين و ستمائة، أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية و دفنوه بها و بنوا عليه المشهد المشهور به بمصر، الّذي يقال له تاج الحسين، بعد سنة خمسمائة. و قد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك، و إنما أرادوا أن يرجوا بذلك بطلان [١] ما ادعوه من النسب الشريف، و هم في ذلك كذبة خونة، و قد نص على ذلك القاضي الباقلاني و غير واحد من أئمة العلماء، في دولتهم في حدود سنة أربعمائة، كما سنبين ذلك كله إذا انتهينا إليه في مواضعه إن شاء اللَّه تعالى. [قلت: و الناس أكثرهم يروج عليهم مثل هذا، فإنهم جاءوا برأس فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور، و قالوا: هذا رأس الحسين، فراج ذلك عليهم و اعتقدوا ذلك و اللَّه أعلم] [٢].
فصل في ذكر شيء من فضائله
روى البخاري من حديث شعبة و مهدي بن ميمون عن محمد بن أبى يعقوب سمعت ابن أبى نعيم
[١] كذا بالأصل و لعلها: باطل.
[٢] سقط من المصرية.