البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٣ - ذكر من توفى فيها من الأعيان
حملت فيه عظيما* * * فما عليه اصطبار
فليس ليلى بليل* * * و لا نهاري نهار
قال: فرقّ له معاوية و كتب إلى ابن أم الحكم يؤنبه على ذلك و يعيبه عليه، و يأمره بطلاقها قولا واحدا، فلما جاءه كتاب معاوية تنفس الصعداء و قال: وددت أن أمير المؤمنين خلى بيني و بينها سنة ثم عرضني على السيف، و جعل يؤامر نفسه على طلاقها فلا يقدر على ذلك و لا تحبيبه نفسه، و جعل البريد الّذي ورد عليه بالكتاب يستحثه، فطلقها و أخرجها عنه و سيرها مع الوفد إلى معاوية، فلما وقفت بين يديه رأى منظرا جميلا، فلما استنطقها فإذا أفصح الناس و أحلاهم كلاما، و أكملهم جمالا و دلالا، فقال لابن عمها: يا أعرابى هل من سلوّ عنها بأفضل الرغبة؟ قال: نعم إذا فرقت بين رأسي و جسدي ثم أنشأ يقول:-
لا تجعلني و الأمثال تضرب بى* * * كالمستغيث من الرمضاء بالنار
اردد سعاد على حيران مكتئب* * * يمسى و يصبح في هم و تذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق* * * و أسعر القلب منه أي إسعار
و اللَّه و اللَّه لا أنسى محبتها* * * حتى أغيب في رمسي و أحجارى
كيف السلو و قد هام الفؤاد بها* * * و أصبح القلب عنها غير صبار؟
فقال معاوية: فانا نخيرها بيني و بينك و بين ابن أم الحكم فأنشأت تقول:-
هذا و إن أصبح في إطار* * * و كان في نقص من اليسار
أحب عندي من أبى و جاري* * * و صاحب الدرهم و الدينار
أخشى إذا غدرت حر النار
قال: فضحك معاوية و أمر له بعشرة آلاف درهم و مركب و وطاء، و لما انقضت عدتها زوجه بها و سلمها إليه. حذفنا منها أشعارا كثيرة مطولة.
و جرت في هذه السنة فصول طويلة بين عبيد اللَّه بن زياد و الخوارج، فقتل منهم خلقا كثيرا و جما غفيرا، و حبس منهم آخرين، و كان صارما كأبيه مقداما في أمرهم و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم
ذكر من توفى فيها من الأعيان
توفى في هذا العام سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأموي، قتل أبوه يوم بدر كافرا، قتله على بن أبى طالب، و نشأ سعيد في حجر عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، و كان عمر سعيد يوم مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تسع سنين، و كان من سادات المسلمين و الأجواد المشهورين، و كان جدّه سعيد بن العاص- و يكنى بأبي أجنحة- رئيسا في قريش، يقال له