البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧١ - صفة مخرج الحسين إلى العراق و ما جرى له بعد ذلك
المرادي و رجلان آخران، و هما عمرو بن الحجاج و معن السلمي، و أقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد و عليه جبة من برود، فلما كلمهم انصرف فرماه رجل من بنى تميم يقال له عمرو الطهوي بسهم بين كتفيه، فانى لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلقا بجبته، فلما أبوا عليه رجع إلى مصافّه و إني لأنظر إليهم و هم قريب من مائة رجل، فيهم لصلب على خمسة، و من بنى هاشم ستة عشر، و رجل من بنى سليم حليف لهم، و رجل من بنى كنانة حليف لهم، و ابن عم ابن زياد.
و قال حصين، حدثني سعد بن عبيدة قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد إذ أتاه رجل فسارّه فقال له: قد بعث إليك ابن زياد جويرية بن بدر التميمي و أمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك. قال: فوثب إلى فرسه فركبها ثم دعا بسلاحه فلبسه و إنه لعلى فرسه، و نهض بالناس إليهم فقاتلوهم فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد فوضع بين يديه فجعل يقول بقضيبه في أنفه و يقول: إن أبا عبد اللَّه كان قد شمط. قال: و جيء بنسائه و بناته و أهله قال: و كان أحسن شيء صنعه أن أمر لهم بمنزل في مكان معتزل و أجرى عليهم رزقا، و أمر لهم بنفقة و كسوة. قال: و انطلق غلامان منهم من أولاد عبد اللَّه بن جعفر- أو ابن أبى جعفر- فأتيا رجلا من طيِّئ فلجآ إليه مستجيران به، فضرب أعناقها و جاء برأسيهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد، قال: فهم ابن زياد بضرب عنقه و أمر بداره فهدمت. قال: و حدثني مولى لمعاوية بن أبى سفيان قال: لما أتى يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه رأيته يبكى و يقول: لو كان بين ابن زياد و بينه رحم ما فعل هذا- يعنى ابن زياد- قال الحصين:
و لما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع [
قال أبو مخنف: حدثني لوذان حدثني عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين: أين تريد؟ فحدثه، فقال له: أنشدك اللَّه لما انصرفت راجعا، فو اللَّه ما بين يديك من القوم أحد يذب عنك و لا يقاتل معك، و إنما و اللَّه أنت قادم على الأسنة و السيوف، فان هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال و وطئوا لك الأشياء، ثم قدمت عليهم بعد ذلك كان ذلك رأيا، فأما على هذه الصفة فانى لا أرى لك أن تفعل. فقال له الحسين: إنه ليس بخفي عليّ ما قلت و ما رأيت، و لكن اللَّه لا يغلب على أمره،
ثم ارتحل قاصدا الكوفة. و قال خالد بن العاص:-
ربّ مستنصح يغش و يردى* * * و ظنين بالغيب يلقى نصيحا] [١]
و قد حج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص و كان عامل المدينة و مكة ليزيد، و قد عزل يزيد عن إمرة المدينة الوليد بن عتبة و ولاها عمرو بن سعيد بن العاص في شهر رمضان منها و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
[١] سقط من المصرية