البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٩ - ذكر بيعة مروان بن الحكم
و هو بمكة يخطبونه لأنفسهم، فكتب إلى أنس بن مالك ليصلي بهم، و يقال إن أول من بايع ابن الزبير مصعب بن عبد الرحمن، فقال الناس: هذا أمر فيه صعوبة، و بايعه عبد اللَّه بن جعفر و عبد اللَّه ابن على بن أبى طالب، و بعث إلى ابن عمر و ابن الحنفية و ابن عباس ليبايعوا فأبوا عليه. و بويع في رجب بعد أن أقام الناس نحو ثلاثة أشهر بلا إمام. و بعث ابن الزبير إلى أهل الكوفة عبد الرحمن ابن يزيد الأنصاري على الصلاة، و إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه على الخراج، و استوثق له المصران جميعا، و أرسل إلى مصر فبايعوه. و استناب عليها عبد الرحمن بن جحدر، و أطاعت له الجزيرة، و بعث على البصرة الحارث بن عبد اللَّه بن ربيعة، و بعث إلى اليمن فبايعوه، و إلى خراسان فبايعوه، و إلى الضحاك بن قيس بالشام فبايع، و قيل إن أهل دمشق و أعمالها من بلاد الأردن لم يبايعوه، لأنهم بايعوا مروان بن الحكم لما رجع الحصين بن نمير من مكة إلى الشام، و قد كان التف على عبد اللَّه بن الزبير جماعة من الخوارج يدافعون عنه، منهم نافع بن الأزرق، و عبد اللَّه بن أباض، و جماعة من رءوسهم. فلما استقر أمره في الخلافة قالوا فيما بينهم: إنكم قد أخطأتم لأنكم قاتلتم مع هذا الرجل و لم تعلموا رأيه في عثمان بن عفان- و كانوا ينتقصون عثمان- فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان فأجابهم فيه بما يسوؤهم، و ذكر لهم ما كان متصفا به من الايمان و التصديق، و العدل و الإحسان و السيرة الحسنة، و الرجوع إلى الحق إذا تبين له، فعند ذلك نفروا عنه و فارقوه و قصدوا بلاد العراق و الخراسان، فتفرقوا فيها بأبدانهم و أديانهم و مذاهبهم و مسالكهم المختلفة المنتشرة، التي لا تنضبط و لا تنحصر، لأنها مفرعة على الجهل و قوة النفوس، و الاعتقاد الفاسد، و مع هذا استحوذوا على كثير من البلدان و الكور، حتى انتزعت منهم على ما سنذكره فيما بعد إن شاء اللَّه.
ذكر بيعة مروان بن الحكم
و كان سبب ذلك أن حصين بن نمير لما رجع من أرض الحجاز و ارتحل عبيد اللَّه بن زياد من البصرة إلى الشام، و انتقلت بنو أمية من المدينة إلى الشام، اجتمعوا إلى مروان بن الحكم بعد موت معاوية بن يزيد، و قد كان معاوية بن يزيد قد عزم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق، و قد بايع أهلها الضحاك بن قيس على أن يصلح بينهم و يقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس على إمام، و الضحاك يريد أن يبايع لابن الزبير، و قد بايع لابن الزبير النعمان بن بشير بحمص، و بايع له زفر بن عبد اللَّه الكلابي بقنسرين، و بايع له نائل بن قيس بفلسطين، و أخرج منها روح بن زنباع الجذامي، فلم يزل عبيد اللَّه بن زياد و الحصين بن نمير بمروان بن الحكم يحسنون له أن يتولى، حتى ثنوه عن رأيه و حذروه من دخول سلطان ابن الزبير و ملكه إلى الشام، و قالوا له: أنت شيخ قريش و سيدها، فأنت أحق بهذا الأمر. فرجع عن البيعة لابن الزبير، و خاف ابن زياد الهلاك إن تولى غير بنى