البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٠ - ذكر بيعة مروان بن الحكم
أمية، فعند ذلك التف هؤلاء كلهم مع قومه بنى أمية و مع أهل اليمن على مروان، فوافقهم على ما أرادوا، و جعل يقول ما فات شيء، و كتب حسان بن مالك بن بحدل الكلبي إلى الضحاك بن قيس يثنيه عن المبايعة لابن الزبير، و يعرفه أيادي بنى أمية عنده و إحسانهم، و يذكر فضلهم و شرفهم، و قد بايع حسان بن مالك أهل الأردن لبني أمية، و هو يدعو إلى ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبى سفيان، و بعث إلى الضحاك كتابا بذلك، و أمره أن يقرأ كتابه على أهل دمشق يوم الجمعة على المنبر، و بعث بالكتاب مع رجل يقال له ناغضة بن كريب الطابجى، و قيل هو من بنى كلب و قال له: إن لم يقرأه هو على الناس فاقرأه أنت، فأعطاه الكتاب فسار إلى الضحاك فأمره بقراءة الكتاب فلم يقبل، فقام ناغض فقرأه على الناس فصدقه جماعة من أمراء الناس، و كذبه آخرون، و ثارت فتنة عظيمة بين الناس، فقام خالد بن يزيد بن معاوية و هو شاب حدث على درجتين من المنبر فسكن الناس، و نزل الضحاك فصلى بالناس الجمعة، و أمر الضحاك بن قيس بأولئك الذين صدقوا ناغضة أن يسجنوا، فثارت قبائلهم فأخرجوهم من السجن، و اضطرب أهل دمشق في ابن الزبير و بنى أمية، و كان اجتماع الناس لذلك و وقوفهم بعد صلاة الجمعة بباب الجيرون «فسمى هذا اليوم يوم جيرون».
قال المدائني: و قد أراد الناس الوليد بن عتبة بن أبى سفيان أن يتولى عليهم فأبى، و هلك في تلك الليالي، ثم إن الضحاك بن قيس صعد منبر المسجد الجامع فخطبهم به، و نال من يزيد بن معاوية، فقام إليه شاب من بنى كلب فضربه بعصي كانت معه، و الناس جلوس متقلدي سيوفهم، فقام بعضهم إلى بعض فاقتتلوا في المسجد قتالا شديدا، فقيس و من لف لفيفها يدعون إلى ابن الزبير و ينصرون الضحاك بن قيس، و بنو كلب يدعون إلى بنى أمية و إلى البيعة لخالد بن يزيد بن معاوية، و يتعصبون ليزيد و أهل بيته، فنهض الضحاك بن قيس فدخل دار الامارة و أغلق الباب و لم يخرج إلى الناس إلا يوم السبت لصلاة الفجر، ثم أرسل إلى بنى أمية فجمعهم إليه فدخلوا عليه و فيهم مروان بن الحكم، و عمرو بن سعيد بن العاص، و خالد و عبد اللَّه ابنا يزيد بن معاوية. قال المدائني: فاعتذر إليهم مما كان منه، و اتفق معهم أن يركب معهم إلى حسان بن مالك الكلبي فيتفقوا على رجل يرتضونه من بنى أمية للامارة، فركبوا جميعا إليه، فبينما هم يسيرون إلى الجابية لقصد حسان، إذ جاء معن بن ثور بن الأخنس في قومه قيس، فقال له: إنك دعوتنا إلى بيعة ابن الزبير فأجبناك، و أنت الآن ذاهب إلى هذا الأعرابي ليستخلف ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية، فقال له الضحاك: و ما الرأى؟ قال: الرأى أن نظهر ما كما نسر، و أن ندعو إلى طاعة ابن الزبير و نقاتل عليها من أباها.
فمال الضحاك بمن معه فرجع إلى دمشق، فأقام بها بمن معه من الجيش من قيس و من لف لفيفها،