البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٧ - و هذه ترجمة يزيد بن معاوية
و عبد الملك بن مروان، و قد ذكره أبو زرعة الدمشقيّ في الطبقة التي تلى الصحابة، و هي العليا، و قال: له أحاديث، و كان كثير اللحم عظيم الجسم كثير الشعر جميلا طويلا ضخم الهامة محدد الأصابع غليظها مجدرا، و كان أبوه قد طلق أمه و هي حامل به، فرأت أمه في المنام أنه خرج منها قمر من قبلها، فقصّت رؤياها على أمها فقالت: إن صدقت رؤياك لتلدن من يبايع له بالخلافة. و جلست أمه ميسون يوما تمشطه و هو صبي صغير، و أبوه معاوية مع زوجته الحظية عنده في المنظرة، و هي فاختة بنت قرظة، فلما فرغت من مشطه نظرت أمه إليه فأعجبها فقبلته بين عينيه، فقال معاوية عند ذلك:
إذا مات لم تفلح مزينة بعده* * * فنوطى عليه يا مزين التمائما
و انطلق يزيد يمشى و فاختة تتبعه بصرها ثم قالت: لعن اللَّه سواد ساقى أمك، فقال معاوية:
أما و اللَّه إنه لخير من ابنك عبد اللَّه- و هو ولده منها و كان أحمق- فقالت فاختة: لا و اللَّه لكنك تؤثر هذا عليه، فقال: سوف أبين لك ذلك حتى تعرفينه قبل أن تقومى من مجلسك هذا، ثم استدعى بابنها عبد اللَّه فقال له: إنه قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألنى في مجلسى هذا، فقال: حاجتي أن تشترى لي كلبا فارها و حمارا فارها، فقال: يا بنى أنت حمار و تشترى لك حمارا؟ قم فاخرج. ثم قال لأمه: كيف رأيت؟ ثم استدعى بيزيد فقال: إني قد بدا لي أن أعطيك كل ما تسألنى في مجلسى هذا، فسلني ما بدا لك. فخر يزيد ساجدا ثم قال حين رفع رأسه: الحمد للَّه الّذي بلغ أمير المؤمنين هذه المدة، و أراه فىّ هذا الرأى، حاجتي أن تعقد لي العهد من بعدك، و توليني العام صائفة المسلمين، و تأذن لي في الحج إذا رجعت، و توليني الموسم، و تزيد أهل الشام عشرة، دنانير لكل رجل في عطائه، و تجعل ذلك بشفاعتي، و تعرض لأيتام بنى جمح، و أيتام بنى سهم، و أيتام بنى عدي. فقال: مالك و لأيتام بنى عدي؟ فقال: لأنهم حالفونى و انتقلوا إلى داري. فقال معاوية: قد فعلت ذلك كله، و قبّل وجهه، ثم قال لفاختة بنت قرظة، كيف رأيت؟ فقالت: يا أمير المؤمنين أوصه بى فأنت أعلم به منى، ففعل. و في رواية أن يزيد لما قال له أبوه: سلني حاجتك، قال له يزيد: أعتقني من النار أعتق اللَّه رقبتك منها، قال: و كيف؟ قال: لأني وجدت في الآثار أنه من تقلد أمر الأمة ثلاثة أيام حرّمه اللَّه على النار، فاعهد إلى بالأمر من بعدك ففعل.
و قال العتبى: رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاما له فقال له: اعلم أن اللَّه أقدر عليك منك عليه، سوأة لك!! أ تضرب من لا يستطيع أن يمتنع عليك؟ و اللَّه لقد منعتني القدرة من الانتقام من ذوى الإحن، و إن أحسن من عفا لمن قدر.
قلت:
و قد ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) رأى أبا مسعود يضرب غلاما له فقال: «اعلم أبا مسعود للَّه أقدر عليك منك عليه».
قال العتبى: و قدم زياد بأموال كثيرة و بسفط مملوء جواهر