البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩ - ثم دخلت سنة خمس و أربعين
ثم دخلت سنة خمس و أربعين
فيها ولى معاوية البصرة للحارث بن عبد اللَّه الأزدي، ثم عزله بعد أربعة أشهر، و ولى زيادا فقدم زياد الكوفة، و عليها المغيرة فأقام بها ليأتيه رسول معاوية بولاية البصرة، فظن المغيرة أنه قد جاء على إمرة الكوفة فبعث إليه وائل بن حجر ليعلم خبره فاجتمع به فلم يقدر منه على شيء، فجاء البريد إلى زياد أن يسير إلى البصرة، و استعمله على خراسان و سجستان ثم جمع له الهند و البحرين و عمان.
و دخل زياد البصرة في مستهل جمادى الأول فقام في أول خطبة خطبها- و قد وجد الفسق ظاهرا- فقال فيها: أيها الناس كأنكم لم تسمعوا ما أعد اللَّه من الثواب لأهل الطاعة، و العذاب لأهل المعصية تكونون كمن طرقت جبينه الدنيا و فسدت مسامعه الشهوات، فاختار الفانية على الباقية. ثم ما زال يقيم أمر السلطان و يجرد السيف حتى خافه الناس خوفا عظيما، و تركوا ما كانوا فيه من المعاصي الظاهرة، و استعان بجماعة من الصحابة، و ولى عمران بن حصين القضاء بالبصرة، و ولى الحكم بن عمرو الغفاريّ نيابة خراسان، و ولى سمرة بن جندب و عبد الرحمن بن سمرة و أنس بن مالك، و كان حازم الرأى ذا هيبة داهية، و كان مفوها فصيحا بليغا. قال الشعبي: ما سمعت متكلما قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا من أن يسيء إلا زيادا فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما، و قد كانت له وجاهة عند عمر بن الخطاب. و في هذه السنة غزا الحكم بن عمرو نائب زياد على خراسان جبل الأسل عن أمر زياد فقتل منهم خلقا كثيرا و غنم أموالا جمة، فكتب إليه زياد: إن أمير المؤمنين قد جاء كتابه أن يصطفى له كل صفراء و بيضاء- يعنى الذهب و الفضة- يجمع كله من هذه الغنيمة لبيت المال. فكتب الحكم بن عمرو: إن كتاب اللَّه مقدم على كتاب أمير المؤمنين، و إنه و اللَّه لو كانت السموات و الأرض على عدو فاتقى اللَّه يجعل له مخرجا، ثم نادى في الناس: أن أغدوا على قسم غنيمتكم، فقسمها بينهم و خالف زيادا فيما كتب إليه عن معاوية، و عزل الخمس كما أمر اللَّه و رسوله، ثم قال الحكم: إن كان لي عندك خير فاقبضنى إليك، فمات بمرو من خراسان رضى اللَّه عنه. قال ابن جرير: و حج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم و كان نائب المدينة.
و في هذه السنة توفى زيد بن ثابت الأنصاري أحد كتاب الوحي، و قد ذكرنا ترجمته فيهم في أواخر السيرة، و هو الّذي كتب هذا المصحف الامام الّذي بالشام عن أمر عثمان بن عفان، و هو خط جيد قوى جدا فيما رأيته، و قد كان زيد بن ثابت من أشد الناس ذكاء تعلم لسان يهود و كتابهم في خمسة عشر يوما، قال أبو الحسن بن البراء: تعلم الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوما، و تعلم الحبشية و الروميّة و القبطية من خدام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال الواقدي: و أول مشاهده الخندق و هو ابن خمس عشرة سنة. و في الحديث الّذي رواه أحمد و النسائي: «و أعلمهم بالفرائض زيد بن