البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٦ - و أما حارثة بن النعمان الأنصاري النجاري
تعالى.
و يروى أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما جالسه بسط له رداءه و قال: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه»
قال ابن جرير: و في هذه السنة ولى زياد على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو الربيع بن زياد الحارثي ففتح بلخ صلحا، و كانوا قد غلقوها بعد ما صالحهم الأحنف، و فتح قوهستان عنوة، و كان عندها أتراك فقتلهم و لم يبق منهم إلا ترك طرخان، فقتله قتيبة بن مسلم بعد ذلك كما سيأتي. و في هذه السنة غزا الربيع ما وراء النهر فغنم و سلم، و كان قد قطع ما وراء النهر قبله الحكم بن عمرو، و كان أول من شرب من النهر غلام للحكم، فسقى سيده و توضأ الحكم و صلى وراء النهر ركعتين ثم رجع، فلما كان الربيع هذا غزا ما وراء النهر فغنم و سلم. و في هذه السنة حج بالناس يزيد بن معاوية فيما قاله أبو معشر و الواقدي، و بعثه رسول اللَّه إلى ذي الخلصة- و كان بيتا تعظمه دوس في الجاهلية- فذكر أنه لا يثبت على الخيل، فضرب في صدره و
قال: «اللَّهمّ ثبته و اجعله هاديا مهديا»
فذهب فهدمه. و في الصحيحين أنه قال: ما حجبنى رسول اللَّه منذ أسلمت و لا رآني إلا تبسم. و كان عمر بن الخطاب يقول: جرير يوسف هذه الأمة. و قال عبد الملك بن عمير: رأيت جريرا كأن وجهه شقة قمر. و قال الشعبي: كان جرير هو و جماعة مع عمر في بيت. فاشتم عمر من بعضهم ريحا، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ، فقال جرير: أو نقوم كلما فنتوضأ يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر:
نعم السيد كنت في الجاهلية، و نعم السيد أنت في الإسلام. و قد كان عاملا لعثمان على همدان، يقال إنه أصيبت عينه هناك، فلما قتل عثمان اعتزل عليا و معاوية، و لم يزل مقيما بالجزيرة حتى توفى بالسراة، سنة إحدى و خمسين، قاله الواقدي، و قيل سنة أربع، و قيل سنة ست و خمسين.
و أما جعفر بن أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب
فأسلم مع أبيه حين تلقياه بين مكة و المدينة عام الفتح، فلما ردهما قال أبو سفيان: و اللَّه لئن لم يأذن لي عليه لآخذن بيد هذا فأذهبن في الأرض فلا يدرى أين أذهب، فلما بلغ ذلك رسول اللَّه رق له و أذن له و قبل إسلامهما فأسلما إسلاما حسنا، بعد ما كان أبو سفيان يؤذى رسول اللَّه أذى كثيرا، و شهد حنينا، و كان ممن ثبت يومئذ رضى اللَّه عنهما.
و أما حارثة بن النعمان الأنصاري النجاري
فشهد بدرا و أحدا و الخندق و المشاهد، و كان من فضلاء الصحابة، و روى أنه رأى جبريل مع رسول اللَّه بالمقاعد يتحدثان بعد خيبر، و أنه رآه يوم بنى قريظة في صورة دحية. و في الصحيح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سمع قراءته في الجنة. قال محمد بن سعد: حدثنا عبد الرحمن بن يونس ثنا محمد بن إسماعيل بن أبى فديك ثنا محمد بن عثمان عن أبيه أن حارثة بن النعمان كان قد كف بصره فجعل خيطا من مصلاه إلى باب حجرته، فإذا جاءه المسكين أخذ من ذلك التمر ثم أخذ يمسك بذلك الخيط حتى