البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٨ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
أبيض جميلا، إذا ضحك انقلبت شفته العليا، و كان يخضب. حدثني محمد بن يزيد الأزدي ثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز عن أبى عبد رب قال: رأيت معاوية يصفر لحيته كأنها الذهب. و قال غيره: كان أبيض طويلا أجلح أبيض الرأس و اللحية يخضبهما بالحناء و الكتم. و قد أصابته لوقة في آخر عمره، فكان يستر وجهه و يقول: رحم اللَّه عبدا دعا لي بالعافية، فقد رميت في أحسنى و ما يبدو منى و لو لا هواي في يزيد لأبصرت رشدي، و كان حليما وقورا رئيسا سيدا في الناس، كريما عادلا شهما. و قال المدائني عن صالح بن كيسان قال: رأى بعض متفرسى العرب معاوية و هو صبي صغير، فقال: إني لأظن هذا الغلام سيسود قومه، فقالت هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه.
و قال الشافعيّ قال أبو هريرة: رأيت هندا بمكة كأن وجهها فلقة قمر، و خلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، و معها صبي يلعب، فمر رجل فنظر إليه فقال: إني لأرى غلاما إن عاش ليسودن قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلى قومه فأماته اللَّه، و هو معاوية بن أبى سفيان. و قال محمد بن سعد: أنبأنا على بن محمد بن عبد اللَّه بن أبى سيف قال: نظر أبو سفيان يوما إلى معاوية و هو غلام فقال لهند:
إن ابني هذا لعظيم الرأس، و إنه لخليق أن يسود قومه، فقالت هند: قومه فقط، ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة. و كانت هند تحمله و هو صغير و تقول:
إن بنى معرق كريم* * * محبب في أهله حليم
ليس بفحاش و لا لئيم* * * و لا ضجور و لا سئوم
صخر بنى فهر به زعيم* * * لا يخلف الظن و لا يخيم
قال: فلما ولى عمر يزيد بن أبى سفيان ما ولاه من الشام، خرج إليه معاوية فقال أبو سفيان لهند:
كيف رأيت صار ابنك تابعا لابني؟ فقالت: إن اضطربت خيل العرب فستعلم أين يقع ابنك مما يكون فيه ابني، فلما مات يزيد بن أبى سفيان سنة بضع عشرة، و جاء البريد إلى عمر بموته، رد عمر البريد إلى الشام بولاية معاوية مكان أخيه يزيد، ثم عزى أبا سفيان في ابنه يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين من وليت مكانه؟ قال أخوه معاوية، قال: وصلت رحما يا أمير المؤمنين. و قالت هند لمعاوية فيما كتبت به إليه: و اللَّه يا بنى إنه قل أن تلد حرمة مثلك، و إن هذا الرجل قد استنهضك في هذا الأمر، فاعمل بطاعته فيما أحببت و كرهت. و قال له أبوه: يا بنى إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا و تأخرنا فرفعهم سبقهم و قدمهم عند اللَّه و عند رسوله، و قصر بنا تأخيرنا فصاروا قادة و سادة، و صرنا أتباعا، و قد ولوك جسيما من أمورهم فلا تخالفهم، فإنك تجرى إلى أمد فنافس فان بلغته أورثته عقبك، فلم يزل معاوية نائبا على الشام في الدولة العمرية و العثمانية مدة خلافة عثمان، و افتتح في سنة سبع و عشرين جزيرة قبرص و سكنها المسلمون قريبا من ستين سنة في أيامه و من بعده، و لم تزل الفتوحات