البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٧ - و هذه صفة مقتله رضى اللَّه عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح و البهتان
إن تك قد حبست عنا النصر من السماء فاجعله لما هو خير، و انتقم لنا من الظالمين.
و رمى عبد اللَّه ابن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بسهم فقتله أيضا، ثم قتل عبد اللَّه و العباس و عثمان و جعفر و محمد بني على بن أبى طالب، إخوة الحسين. و قد اشتد عطش الحسين فحاول أن يصل إلى أن يشرب من ماء الفرات فما قدر، بل مانعوه عنه، فخلص إلى شربة منه، فرماه رجل يقال له حصين بن تميم بسهم في حنكه فأثبته، فانتزعه الحسين من حنكه ففار الدم فتلقاه بيديه ثم رفعهما إلى السماء و هما مملوءتان دما، ثم رمى به إلى السماء و
قال: اللَّهمّ أحصهم عددا و اقتلهم بددا، و لا تذر على الأرض منهم أحدا.
و دعا عليهم دعاء بليغا.
[قال: فو اللَّه إن مكث الرجل الرامي له إلا يسيرا حتى صب اللَّه عليه الظمأ، فجعل لا يروى و يسقى الماء مبردا، و تارة يبرد له اللبن و الماء جميعا، و يسقى فلا يروى، بل يقول: ويلكم اسقوني قتلني الظمأ. قال: فو اللَّه ما لبث إلا يسيرا حتى أنفد بطنه انفداد بطن البعير. ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نحو من عشرة من رجّالة الكوفة قبل منزل الحسين الّذي فيه ثقله و عياله، فمشى نحوهم فحالوا بينه و بين رحله،
فقال لهم الحسين: ويلكم!! إن لم يكن لكم دين و كنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في دنياكم أحرارا و ذوى أحساب، امنعوا رحلي و أهلي من طغاتكم و جهالكم،
فقال ابن ذي الجوشن ذلك لك يا ابن فاطمة، ثم أحاطوا به فجعل شمر يحرضهم على قتله، فقال له أبو الجنوب: و ما يمنعك أنت من قتله؟ فقال له شمر: إلى تقول ذا؟ فقال أبو الجنوب: إلى تقول ذا؟
فاستبا ساعة، فقال له أبو الجنوب- و كان شجاعا-: و اللَّه لقد هممت أن أخضخض هذا السنان في عينك، فانصرف عنه شمر] [١].
ثم جاء شمر و معه جماعة من الشجعان حتى أحاطوا بالحسين و هو عند فسطاطه و لم يبق معه أحد يحول بينهم و بينه، فجاء غلام يشتد من الخيام كأنه البدر، و في أذنيه درّتان، فخرجت زينب بنت عليّ لترده فامتنع عليها،
و جاء يحاجف عن عمه فضربه رجل منهم بالسيف فاتقاه بيده فأطنها سوى جلده، فقال: يا أبتاه، فقال له الحسين: يا بنى احتسب أجرك عند اللَّه، فإنك تلحق بآبائك الصالحين.
ثم حمل على الحسين الرجال من كل جانب و هو يجول فيهم بالسيف يمينا و شمالا، فيتنافرون عنه كتنافر المعزى عن السبع، و خرجت أخته زينب بنت فاطمة إليه فجعلت تقول: ليت السماء تقع على الأرض، و جاءت عمر بن سعد فقالت: يا عمر أ رضيت أن يقتل أبو عبد اللَّه و أنت تنظر؟
فتحادرت الدموع على لحيته و صرف وجهه عنها، ثم جعل لا يقدم أحد على قتله، حتى نادى شمر بن ذي الجوشن: ويحكم ما ذا تنتظرون بالرجل؟ فاقتلوه ثكلتكم أمهاتكم. فحملت الرجال من كل جانب
[١] سقط من المصرية