البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٩ - و هذه ترجمة المختار بن أبى عبيد الكذاب
و هما طرفة و طراف ابنا عبد اللَّه بن دجاجة من بنى حنيفة، فقتلاه بمكان الزياتين من الكوفة، و احتزا رأسه و أتيا به إلى مصعب بن الزبير، و قد دخل قصر الامارة، فوضع بين يديه، كما وضع رأس ابن زياد بنى يدي المختار، و كما وضع رأس الحسين بين يدي ابن زياد، و كما سيوضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان، فلما وضع رأس المختار بين يدي مصعب أمر لهما بثلاثين ألفا.
و قد قتل مصعب جماعة من المختارية، و أسر منهم خمسمائة أسير، فضرب أعناقهم عن آخرهم في يوم واحد، و قد قتل من أصحاب مصعب في الوقعة محمد بن الأشعث بن قيس، و أمر مصعب بكف المختار فقطعت و سمرت إلى جانب المسجد، فلم يزل لك حتى قدم الحجاج، فسأل عنها فقيل له هي كف المختار، فأمر بها فرفعت و انتزعت من لك، لأن المختار كان من قبيلة الحجاج. و المختار هو الكذاب، و المبير الحجاج، و لهذا أخذ الحجاج بثأره من ابن الزبير فقتله و صلبه شهورا، و قد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار عنه فقالت: ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه، فتركها و استدعى بزوجته الأخرى و هي عمرة بنت النعمان بن بشير فقال لها:
ما تقولين فيه؟ فقالت: (رحمه اللَّه) لقد كان عبداً من عباد اللَّه الصالحين، فسجنها و كتب إلى أخيه إنها تقول إنه نبيّ فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها، فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت، فقال في ذلك عمر بن أبى رمثة المخزومي:-
إن من أعجب العجائب عندي* * * قتل بيضاء حرة عطبول
قتلت هكذا على غير جرم* * * إن للَّه درها من قتيل
كتب القتل و القتال علينا* * * و على الغانيات جر الذيول
و قال أبو مخنف: حدثني محمد بن يوسف أن مصعبا لقي عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب فسلم عليه فقال ابن عمر: من أنت؟ فقال: أنا ابن أخيك مصعب بن الزبير، فقال له ابن عمر: نعم، أنت القاتل سبعة آلاف من أهل القبلة في غداة واحدة؟ عش ما استطعت، فقال له مصعب: إنهم كانوا كفرة سحرة، فقال ابن عمر: و اللَّه لو قتلت عدلهم غنما من تراث أبيك لكان ذلك سرفا.
و هذه ترجمة المختار بن أبى عبيد الكذاب
هو المختار بن أبى عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عفرة بن عميرة بن عوف بن ثقيف الثقفي، أسلم أبوه في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لم يره، فلهذا لم يذكره أكثر الناس في الصحابة، و إنما ذكره ابن الأثير في الغابة، و قد كان عمر بعثه في جيش كثيف في قتال الفرس سنة ثلاث عشرة، فقتل يومئذ شهيدا و قتل معه نحو من أربعة آلاف من المسلمين، كما قدمنا، و عرف ذلك الجسر به، و هو جسر على دجلة فيقال له إلى اليوم جسر أبي عبيد، و كان له من الولد صفية بنت أبى