البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٩ - ذكر صفة أخرى لرؤيته جبريل
ابن كعب، و قال طاوس عن ابن عباس أنه قال: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد من ثلاثين من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال مغيرة عن الشعبي قال: قيل لابن عباس: أنى أصبت هذا العلم؟
قال: بلسان سئول، و قلب عقول. و ثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يجلس ابن عباس مع مشايخ الصحابة و يقول: نعم ترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس، و كان إذا أقبل يقول عمر: جاء فتى الكهول، و ذو اللسان السئول، و القلب العقول. و ثبت في الصحيح أن عمر سأل الصحابة عن تفسير إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ فسكت بعض و أجاب بعض بجواب لم يرتضه عمر، ثم سأل ابن عباس عنها فقال: أجل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نعى إليه، فقال: لا أعلم منها إلا بما تعلم، و أراد عمر بذلك أن يقرر عندهم جلالة قدره، و كبير منزلته في العلم و الفهم. و سأله مرة عن ليلة القدر فاستنبط أنها في السابعة من العشر الأخير فاستحسنه عمر و استجادة كما ذكرنا في التفسير.
و قد قال الحسن بن عرفة: حدثنا يحيى بن اليمان عن عبد الملك بن أبى سليمان عن سعيد بن جبير عن عمر أنه قال لابن عباس: لقد علمت علما ما علمناه، و قال الأوزاعي قال عمر لابن عباس:
إنك لأصبح فتياننا وجها، و أحسنهم عقلا، و أفقهم في كتاب اللَّه عز و جل. و قال مجاهد عن الشعبي عن ابن عباس قال قال لي أبى: إن عمر يدنيك و يجلسك مع أكابر الصحابة فاحفظ عنى ثلاثا، لا تفشين له سرا، و لا تغتابن عنده أحدا، و لا يجر بن عليك كذبا. قال الشعبي: قلت لابن عباس:
كل واحدة خير من ألف، فقال ابن عباس: بل كل واحدة خير من عشرة آلاف.
و قال الواقدي: حدثنا عبد اللَّه بن الفضل بن أبى عبد اللَّه عن أبيه عن عطاء بن يسار أن عمر و عثمان كانا يدعوان ابن عباس فيسير مع أهل بدر، و كان يفتى في عهد عمر و عثمان إلى يوم مات.
قلت: و شهد فتح إفريقية سنة سبع و عشرين مع ابن أبى سرح، و
قال الزهري عن على بن الحسين عن أبيه قال: نظر أبى إلى ابن عباس يوم الجمل يمشى بين الصفين، فقال: أقر اللَّه عين من له ابن عم مثل هذا،
و قد شهد مع على الجمل و صفين و كان أميرا على الميسرة، و شهد معه قتال الخوارج و كان ممن أشار على على أن يستنيب معاوية على الشام، و أن لا يعزله عنها في بادئ الأمر، حتى قال له فيما قال: إن أحببت عزله فوله شهرا و اعزله دهرا، فأبى على إلا أن يقاتله، فكان ما كان مما قد سبق بيانه. و لما تراوض الفريقان على تحكيم الحكمين طلب ابن عباس أن يكون من جهة على ليكافئ عمرو بن العاص، فامتنعت مذحج و أهل اليمن إلا أن يكون من جهة على أبو موسى الأشعري، و كان من أمر الحكمين ما سلف. و قد استنابه على على البصرة، و أقام للناس الحج في بعض السنين فخطب بهم في عرفات خطبة و فسر فيها سورة البقرة، و في رواية سورة النور، قال من سمعه: فسر ذلك تفسيرا لو سمعته الروم و الترك و الديلم لأسلموا. و هو أول من عرّف بالناس في البصرة، فكان