البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠١ - ذكر صفة أخرى لرؤيته جبريل
أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبى سبرة عن عمرو بن أبى عمرو: عن عكرمة قال: سمعت معاوية يقول مات و اللَّه أفقه من مات و من عاش، و روى ابن عساكر عن ابن عباس قال: دخلت على معاوية حين كان الصلح و هو أول ما التقيت أنا و هو، فإذا عنده أناس فقال: مرحبا بابن عباس، ما تحاكت الفتنة بيني و بين أحد كان أعز على بعدا و لا أحب إلى قربا، الحمد للَّه الّذي أمات عليا، فقلت له:
إن اللَّه لا يذم في قضائه، و غير هذا الحديث أحسن منه، ثم قلت له: أحب أن تعفيني من ابن عمى و أعفيك من ابن عمك، قال: ذلك لك. و قالت عائشة و أم سلمة حين حج ابن عباس بالناس: هو أعلم الناس بالمناسك. و قال ابن المبارك عن داود بن أبى هند عن الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت فأخذ ابن عباس بركابه فقال: لا تفعل يا ابن عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد: أنى يداك؟ فأخرج يديه فقبلهما فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
و قال الواقدي: حدثني داود بن هند عن سعيد بن جبير سمعت ابن المسيب يقول: ابن عباس أعلم الناس. و حدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد اللَّه بن عتبة. قال: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال. بعلم ما سبق إليه، و فقه فيما احتيج إليه من رأيه، و حلم و نسب و نائل، و ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) منه، و لا بقضاء أبى بكر و عمر و عثمان منه، و لا أفقه في رأى منه، و لا أعلم بشعر و لا عربية و لا تفسير القرآن و لا بحساب و لا بفريضة منه، و لا أعلم فيما مضى و لا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه، و لقد كان يجلس يوما ما يذكر فيه إلا الفقه، و يوما ما يذكر فيه إلا التأويل، و يوما ما يذكر فيه إلا المغازي، و يوما الشعر، و يوما أيام العرب، و ما رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، و لا وجدت سائلا سأله إلا وجد عند علما. قال: و ربما حفظت القصيدة من فيه ينشدها ثلاثين بيتا. و قال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت مثل ابن عباس قط.
و قال عطاء: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر فقها، و لا أعظم هيبة، أصحاب القرآن يسألونه، و أصحاب العربية يسألونه، و أصحاب الشعر عنه يسألونه، فكلهم يصدر في واد أوسع.
و قال الواقدي: حدثني بشر بن أبى سليم عن ابن طاوس عن أبيه. قال: كان ابن عباس قد يسبق على الناس في العلم كما تسبق النخلة السحوق على الودي الصغار. و قال ليث بن أبى سليم قلت لطاوس: لم لزمت هذا الغلام؟- يعنى ابن عباس- و تركت الأكابر من الصحابة؟ فقال: إني رأيت سبعين من الصحابة إذا تماروا في شيء صاروا إلى قوله، و قال طاوس أيضا: ما رأيت أفقه منه، قال و ما خالفه أحد قط فتركه حتى يقرره. و قال على بن المديني و يحيى بن معين و أبو نعيم و غيرهم عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيج عن مجاهد. قال: ما رأيت مثله قط، و لقد مات يوم مات و إنه لحبر هذه الأمة- يعنى ابن عباس- و قال أبو بكر بن أبى شيبة و غيره عن أبى أسامة عن الأعمش