البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٥ - أبو موسى الأشعري
تسع و أربعين كما ذكرنا، و قال آخرون: مات سنة خمسين و قيل سنة إحدى و خمسين أو ثمان و خمسين.
سنة خمسين من الهجرة
ففي هذه السنة توفى
أبو موسى الأشعري
في قول، و الصحيح سنة ثنتين و خمسين كما سيأتي.
فيها حج بالناس معاوية، و قيل ابنه يزيد، و كان نائب المدينة في هذه السنة سعيد بن العاص، و على الكوفة و البصرة و المشرق و سجستان و فارس و السند و الهند زياد. و في هذه السنة اشتكى بنو و نهشل على الفرزدق إلى زياد فهرب منه إلى المدينة، و كان سبب ذلك أنه عرّض بمعاوية في قصيدة له فتطلبه زياد أشد الطلب ففر منه إلى المدينة، فاستجار بسعيد بن العاص، و قال في ذلك أشعارا، و لم يزل فيما بين مكة و المدينة حتى توفى زياد فرجع إلى بلاده، و قد طول ابن جرير هذه القصة. و قد ذكر ابن جرير في هذه السنة من الحوادث ما رواه من طريق الواقدي: حدثني يحيى بن سعيد بن دينار عن أبيه أن معاوية كان قد عزم على تحويل المنبر النبوي من المدينة إلى دمشق و أن يأخذ العصاة التي كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يمسكها في يده إذا خطب فيقف على المنبر و هو ممسكها، حتى قال أبو هريرة و جابر بن عبد اللَّه: يا أمير المؤمنين نذكرك اللَّه أن تفعل هذا فان هذا، لا يصلح أن يخرج المنبر من موضع وضعه فيه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أن يخرج عصاه من المدينة. فترك ذلك معاوية و لكن زاد في المنبر ست درجات و اعتذر إلى الناس. ثم روى الواقدي أن عبد الملك بن مروان في أيامه عزم على ذلك أيضا فقيل له: إن معاوية كان قد عزم على هذا ثم ترك، و أنه لما حرك المنبر خسفت الشمس فترك. ثم لما حج الوليد بن عبد الملك أراد ذلك أيضا فقيل له: إن معاوية و أباك أراد ذلك ثم تركاه، و كان السبب في تركه أن سعيد بن المسيب كلم عمر بن عبد العزيز أن يكلمه في ذلك و يعظه فترك. ثم لما حج سليمان أخبره عمر بن عبد العزيز بما كان عزم عليه الوليد، و أن سعيد بن المسيب نهاه عن ذلك، فقال: ما أحب أن يذكر هذا عن عبد الملك و لا عن الوليد، و ما يكون لنا أن نفعل هذا، ما لنا و له، و قد أخذنا الدنيا فهي في أيدينا فنريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يفد إليه الناس فنحمله إلى ما قبلنا. هذا ما لا يصلح (رحمه اللَّه).
و في هذه السنة عزل معاوية عن مصر معاوية بن خديج و ولى عليها من إفريقية مسلمة بن مخلد، و فيها افتتح عقبة بن نافع الفهري عن أمر معاوية بلاد إفريقية، و اختط القيروان- و كان غيضة تأوى إليها السباع و الوحوش و الحيات العظام، فدعا اللَّه تعالى فلم يبق فيها شيء من ذلك حتى ان السباع صارت تخرج منها تحمل أولادها، و الحيات يخرجن من أجحارهن هوارب- فأسلم خلق كثير من البربر فبنى في مكانها القيروان. و فيها غزا بسر بن أبى أرطاة و سفيان بن عوف أرض الروم، و فيها غزا فضالة بن عبيد البحر، و فيها توفى مدلاج بن عمرو السلمي صحابى جليل شهد