البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٤ - فصل
إلى اللَّه عز و جل، و من أكرم العباد على اللَّه عز و جل، و من أكرم الإماء على اللَّه عز و جل، و عن أربعة فيهم الروح فلم يركضوا في رحم، و عن قبر سار بصاحبه، و عن مكان في الأرض لم تطلع فيه الشمس إلا مرة واحدة، و عن قوس قزح ما هو؟ و عن المجرة. فبعث معاوية فسأل ابن عباس عنهن فكتب ابن عباس إليه: أما أحب الكلام إلى اللَّه فسبحان اللَّه و الحمد للَّه و لا إله إلا اللَّه و اللَّه أكبر و لا حول و لا قوة إلا باللَّه، و أكرم العباد على اللَّه آدم، خلقه بيده، و نفخ فيه من روحه، و أسجد له ملائكته، و علمه أسماء كل شيء. و أكرم الإماء على اللَّه مريم بنت عمران، و أما الأربعة اللذين لم يركضوا في رحم فآدم و حواء و عصى موسى، و كبش إبراهيم الّذي فدى به إسماعيل. و في رواية و ناقة صالح، و أما القبر الّذي سار بصاحبه فهو حوت يونس، و أما المكان الّذي لم تصبه الشمس إلا مرة واحدة فهو البحر لما انفلق لموسى حتى جاز بنو إسرائيل فيه، و أما قوس قزح فامان لأهل الأرض من الغرق، و المجرة باب في السماء، و في رواية الّذي ينشق منه. فلما قرأ ملك الروم ذلك أعجبه و قال: و اللَّه ما هي من عند معاوية و لا من قوله، و إنما هي من عند أهل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قد ورد في هذه الأسئلة روايات كثيرة فيها و في بعضها نظر و اللَّه أعلم.
فصل
تولى ابن عباس إمامة الحج سنة خمس و ثلاثين بأمر عثمان بن عفان له و هو محصور، و في غيبته هذه قتل عثمان، و حضر ابن عباس مع على الجمل، و كان على الميسرة يوم صفين، و شهد قتال الخوارج و تأمر على البصرة من جهة على، و كان إذا خرج منها يستخلف أبا الأسود الدؤلي على الصلاة، و زياد بن أبى سفيان على الخراج، و كان أهل البصرة مغبوطين به، يفقههم و يعلم جاهلهم، و يعظ مجرمهم، و يعطى فقيرهم، فلم يزل عليها حتى مات على، و يقال إن عليا عزله عنها قبل موته، ثم وفد على معاوية. فأكرمه و قربه و احترمه و عظمه، و كان يلقى عليه المسائل المعضلة فيجيب عنها سريعا، فكان معاوية يقول: ما رأيت أحدا أحضر جوابا منه، و لما جاء الكتاب بموت الحسن بن على اتفق كون ابن عباس عند معاوية فعزاه فيه بأحسن تعزية، و رد عليه ابن عباس ردا حسنا كما قدمنا، و بعث معاوية ابنه يزيد فجلس بين يدي ابن عباس و عزاه بعبارة فصيحة وجيزة، شكره عليها ابن عباس، و لما مات معاوية و رام الحسين الخروج إلى العراق نهاه ابن عباس أشد النهى، و أراد ابن عباس أن يتعلق بثياب الحسين- لأن ابن عباس كان قد أضر في آخر عمره- فلم يقيل منه، فلما بلغه موته حزن عليه حزنا شديدا و لزم بيته، و كان يقول: يا لسان قل خيرا تغنم، و اسكت عن شر تسلم، فإنك إن لا تفعل تندم. و جاء إليه رجل يقال له جندب فقال له: أوصني، فقال: أوصيك