البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٠ - صفة مخرج الحسين إلى العراق و ما جرى له بعد ذلك
و شكوته إليك، رغبة فيه إليك عمن سواك، ففرجته و كشفته و كفيتنيه، فأنت لي ولىّ كل نعمة، و صاحب كل حسنة، و منتهى كل غاية.
و قال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني حجاج بن محمد عن أبى معشر عن بعض مشيخته. قال قال الحسين حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا كربلاء، قال:
كرب و بلاء. و بعث عبيد اللَّه بن زياد عمر بن سعد لقتالهم، فقال له الحسين: يا عمر اختر منى إحدى ثلاث خصال، إما أن تتركني أرجع كما جئت، فان أبيت هذه فسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم فىّ ما رأى، فان أبيت هذه فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل إلى ابن زياد بذلك، فهمّ أن يسيره إلى يزيد، فقال شمر بن ذي الجوشن: لا! إلا أن ينزل على حكمك، فأرسل إلى الحسين بذلك فقال الحسين: و اللَّه لا أفعل، و أبطأ عمر عن قتاله
فأرسل ابن زياد شمر بن ذي الجوشن و قال له: إن تقدم عمر فقاتل و إلا فأقتله و كن مكانه، فقد وليتك الامرة. و كان مع عمر قريب من ثلاثين رجلا من أعيان أهل الكوفة، فقالوا له: يعرض عليكم ابن بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئا؟ فتحولوا مع الحسين يقاتلون معه.
و قال أبو زرعة: حدثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام عن حصين. قال: أدركت من مقتل الحسين قال: فحدثني سعد بن عبيدة قال: فرأيت الحسين و عليه جبة برود و رماه رجل يقال له عمرو ابن خالد الطهوي بسهم، فنظرت إلى السهم معلقا بجبته. و قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمار الرازيّ حدثني سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام ثنا حصين أن الحسين بعث إليه أهل الكوفة: إن معك مائة ألف. فبعث إليهم مسلم بن عقيل فذكر قصة مقتل مسلم كما تقدم. قال حصين: فحدثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر الناس أن يأخذوا ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة حفظا فلا يدعون أحدا يلج و لا أحداً يخرج، و أقبل الحسين و لا يشعر بشيء حتى أتى الأعراب فسألهم عن الناس فقالوا: و اللَّه لا ندري، غير أنك لا تستطيع أن تلج و لا تخرج، قال: فانطلق يسير نحو يزيد بن معاوية، فتلقته الخيول بكربلاء فنزل يناشدهم اللَّه و الإسلام، قال: و كان بعث إليه ابن زياد عمر بن سعد و شمر بن ذي الجوشن و حصين بن نمير، فناشدهم اللَّه و الإسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده، فقالوا له: لا! إلا أن تنزل على حكم ابن زياد، و كان في جملة من معهم الحر بن يزيد الحنظليّ ثم النهشلي على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم: ألا تتقون اللَّه؟
ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم، و اللَّه لو سألتكم هذا الترك و الديلم ما حل لكم أن تردوهم فأبوا إلا حكم ابن زياد؟ فضرب الحر وجه فرسه و انطلق إلى الحسين، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه و سلم عليهم ثم كرّ على أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ثم قتل (رحمه اللَّه).
و ذكر أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين و كان حاجا فأقبل معه، و خرج إليه ابن أبى مخرمة