البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٤ - ثم دخلت سنة ثمان و ستين
أصبهان و نواحيها، فتقووا هنالك و كثر عددهم و عددهم، ثم أقبلوا يريدون البصرة، فمروا ببعض بلاد فارس و تركوا عمر بن عبيد اللَّه بن معمر وراء ظهورهم، فلما سمع مصعب بقدومهم ركب في الناس و جعل يلوم عمر بن عبيد اللَّه بتركه هؤلاء يجتازون ببلاده، و قد ركب عمر بن عبيد اللَّه في آثارهم، فبلغ الخوارج أن مصعبا أمامهم و عمر بن عبيد اللَّه وراءهم، فعدلوا إلى المدائن فجعلوا يقتلون النساء و الولدان، و يبقرون بطون الحبالى، و يفعلون أفعالا لم يفعلها غيرهِم، فقصدهم نائب الكوفة الحارث بن أبى ربيعة و معه أهلها و جماعات من أشرافها، منهم ابن الأشتر و شبث بن ربعي، فلما و صلوا إلى جسر الصراة قطعه الخوارج بينه و بينهم، فأمر الأمير بإعادته، ففرت الخوارج هاربين بين يديه، فاتبعهم عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف فمروا على الكوفة ثم صاروا إلى أرض أصبهان، فانصرف عنهم و لم يقاتلهم، ثم أقبلوا فحاصروا عتاب بن ورقاء شهرا، بمدينة جيا، حتى ضيقوا على الناس فنزلوا إليهم فقاتلوهم فكشفوهم و قتلوا أميرهم الزبير بن الماجور و غنموا ما في معسكرهم، و أمرت الخوارج عليهم قطري بن الفجاءة ثم ساروا إلى بلاد الأهواز، فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبى صفرة- و هو على الموصل- أن يسير إلى قتال الخوارج و كان أبصر الناس بقتالهم، و بعث مكانه إلى الموصل إبراهيم بن الأشتر فانصرف المهلب إلى الأهواز فقاتل فيها الخوارج ثمانية أشهر قتالا لم يسمع بمثله قال ابن جرير: و في هذه السنة كان القحط الشديد ببلاد الشام بحيث لم يتمكنوا معه من الغزو لضعفهم و قلة طعامهم و ميرتهم. قال ابن جرير: و فيها قتل عبيد اللَّه ابن الحر و كان من خبره أنه كان رجلا شجاعا تتقلب به الأحوال و الأيام و الآراء، حتى صار من أمره أنه لا يطاع لأحد من بنى أمية و لا لآل الزبير، و كان يمر على عامل الكورة من العراق و غيره فيأخذ منه جميع ما في بيت ماله قهرا و يكتب له براءة و يذهب فينفقه على أصحابه. و كان الخلفاء و الأمراء يبعثون إليه الجيوش فيطردها و يكسرها قلت أو كثرت، حتى كاع فيه مصعب بن الزبير و عماله ببلاد العراق، ثم إنه وفد على عبد الملك بن مروان فبعثه في عشرة نفر و قال: ادخل الكوفة و أعلمهم أن الجنود ستصل إليهم سريعا، فبعث في السر إلى جماعة من إخوانه فظهر على أمره فأعلم أمير الكوفة الحارث بن عبد اللَّه فبعث إليه جيشا فقتلوه في المكان الّذي هو فيه، و حمل رأسه إلى الكوفة، ثم إلى البصرة، و استراح الناس منه.
قال ابن جرير: و فيها شهد موقف عرفة أربع رايات متباينة، كل واحدة منها لا تأتم بالأخرى الواحدة لمحمد بن الحنفية في أصحابه، و الثانية لنجدة الحروري و أصحابه، و الثالثة لبني أمية، و الرابعة لعبد اللَّه بن الزبير، و كان أول من دفع رايته ابن الحنفية، ثم نجدة، ثم بنو أمية، ثم دفع ابن الزبير