البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٤ - ثم دخلت سنة إحدى و خمسين
إني على بيعتي لمعاوية، فجمع زياد سبعين من أهل الكوفة فقال: اكتبوا شهادتكم على حجر و أصحابه، ففعلوا، ثم أوفدهم إلى معاوية، و بلغ الخبر عائشة فأرسلت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية تسأله أن يخلى سبيلهم، فلما دخلوا على معاوية قرأ كتاب زياد فقال معاوية: أخرجوا بهم إلى عذراء فاقتلوهم هناك، فذهبوا بهم ثم قتلوا منهم سبعة، ثم جاء رسول معاوية بالتخلية عنهم، و أن يطلقوهم كلهم، فوجدوا قد قتلوا منهم سبعة و أطلقوا السبعة الباقين، و لكن كان حجر فيمن قتل في السبعة الأول، و كان قد سألهم أن يصلى ركعتين قبل أن يقتلوه، فصلى ركعتين فطول فيهما، و قال إنهما لأخف صلاة صليتها. و جاء رسول عائشة بعد ما فرغ من شأنهم. فلما حج معاوية قالت له عائشة: أين عزب عنك حلمك حين قتلت حجرا؟ فقال: حين غاب عنى مثلك من قومي. و يروى أن عبد الرحمن بن الحارث قال لمعاوية: أ قتلت حجر بن الأدبر؟ فقال معاوية: قتله أحب إلى من أن أقتل معه مائة ألف. و قد ذكر ابن جرير و غيره عن حجر بن عدي و أصحابه أنهم كانوا ينالون من عثمان و يطلقون فيه مقالة الجور، و ينتقدون على الأمراء، و يسارعون في الإنكار عليهم، و يبالغون في ذلك، و يتولون شيعة على، و يتشددون في الدين. و يروى أنه لما أخذ في قيوده سائرا من الكوفة إلى الشام تلقته بناته في الطريق و هن يبكين، فمال نحوهن: فقال إن الّذي يطعمكم و يكسوكم هو اللَّه و هو باق لكن بعدي، فعليكن بتقوى اللَّه و عبادته، و إني إما أن أقتل في وجهي و هي شهادة، أو أن أرجع إليكن مكرما، و اللَّه خليفتي عليكم. ثم انصرف مع أصحابه في قيوده، و يقال إنه أوصى أن يدفن في قيوده ففعل ذلك به، و لكن صلوا عليهم و دفنوهم مستقبل القبلة (رحمهم اللَّه) و سامحهم. و قد قالت امرأة من المتشيعات ترثى حجرا- و هي هند بنت زيد بن مخرمة الأنصارية- و يقال إنها لهند أخت حجر فاللَّه أعلم.
ترفع أيها القمر المنير* * * تبصر هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حرب* * * ليقتله كما زعم الأمير
يرى قتل الخيار عليه حقا* * * له من شر أمته وزير
ألا يا ليت حجرا مات يوما* * * و لم ينحر كما نحر البعير
تجبرت الجبابر بعد حجر* * * و طاب لها الخورنق و السدير
و أصبحت البلاد له محولا* * * كأن لم يحيها مزن مطير
ألا يا حجر حجر بن عدي* * * تلقتك السلامة و السرور
أخاف عليك ما أردى عديا* * * و شيخا في دمشق له زبير
فان تهلك فكل زعيم قوم* * * من الدنيا إلى هلك يصير