البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٦ - ثم دخلت سنة ست و ستين
يدعوه إلى الدخول مع أصحابه من الشيعة فيما قاموا فيه من نصرة آل بيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و الأخذ بثأرهم. فقال ابن الأشتر: إنه قد جاءتني كتب محمد بن الحنفية بغير هذا النظام، فقال المختار: إن هذا زمان و هذا زمان، فقال ابن الأشتر: فمن يشهد أن هذا كتابه؟ فتقدم جماعة من أصحاب المختار فشهدوا بذلك، فقام ابن الأشتر من مجلسه و أجلس المختار فيه و بايعه، و دعا لهم بفاكهة و شراب من عسل. قال الشعبي: و كنت حاضرا أنا و أبى أمر إبراهيم بن الأشتر. ذلك المجلس، فلما انصرف المختار قال إبراهيم بن الأشتر: يا شعبى ما ترى فيما شهد به هؤلاء؟ فقلت: إنهم قراء و أمراء و وجوه الناس، و لا أراهم يشهدون إلا بما يعلمون، قال: و كتمته ما في نفسي من اتهامهم، و لكنى كنت أحب أن يخرجوا للأخذ بثأر الحسين، و كنت على رأى القوم. ثم جعل إبراهيم يختلف إلى المختار في منزله هو و من أطاعه من قومه، ثم اتفق رأى الشيعة على أن يكون خروجهم ليلة الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من هذه السنة- سنة ست و ستين.
و قد بلغ ابن مطيع أمر القوم و ما اشتوروا عليه، فبعث الشرط في كل جانب من جوانب الكوفة و ألزم كل أمير أن يحفظ ناحيته من أن يخرج منها أحد، فلما كان ليلة الثلاثاء خرج إبراهيم بن الأشتر قاصدا إلى دار المختار في مائة رجل من قومه، و عليهم الدروع تحت الأقبية، فلقيه إياس بن مضارب فقال له: أين تريد يا ابن الأشتر في هذه الساعة؟ إن أمرك لمريب، فو اللَّه لا أدعك حتى أحضرك إلى الأمير فيرى فيك رأيه، فتناول ابن الأشتر رمحا من يد رجل فطعنه في ثغرة نحره فسقط، و أمر رجلا فاحتز رأسه، و ذهب به إلى المختار فألقاه بين يديه، فقال له المختار: بشرك اللَّه بخير، فهذا طائر صالح. ثم طلب إبراهيم من المختار أن يخرج في هذه الليلة، فأمر المختار بالنار أن ترفع و أن ينادى شعار أصحابه: يا منصور أمت، يا ثارات الحسين. ثم نهض المختار فجعل يلبس درعه و سلاحه و هو يقول:
قد علمت بيضاء حسناء الطلل* * * واضحة الخدين عجزاء الكفل
أنى غداة الروع مقدام بطل
و خرج بين يديه إبراهيم بن الأشتر فجعل يتقصد الأمراء الموكلين بنواحي البلد فيطردهم عن أماكنهم واحدا واحدا. و ينادى بشعار المختار، و بعث المختار أبا عثمان النهدي فنادى بشعار المختار، يا ثارات الحسين. فاجتمع الناس إليه من هاهنا و هاهنا، و جاء شبث بن ربعي فاقتتل هو و المختار عند داره و حصره حتى جاء ابن لأشتر فطرده عنه، فرجع شبث إلى ابن مطيع و أشار عليه بأن يجمع الأمراء إليه، و أن ينهض بنفسه، فان أمر المختار قد قوى و استفحل، و جاءت الشيعة من كل فج عميق إلى المختار، فاجتمع إليه في أثناء الليل قريب من أربعة آلاف، فأصبح و قد عبى جيشه و صلى بهم الصبح، فقرأ فيها وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً و عَبَسَ وَ تَوَلَّى في الثانية قال بعض من سمعه: فما سمعت إماما