البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٤ - ثم دخلت سنة أربع و ستين
إثارة الفتنة، و وقوع الهرج [و سفك الدماء الحرام، و نهب الأموال، و فعل الفواحش مع النساء و غيرهن، و غير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا] [١] و أما ما يذكره بعض الناس من أن يزيد لما بلغه خبر أهل المدينة و ما جرى عليهم عند الحرة من مسلم بن عقبة و جيشه، فرح بذلك فرحا شديداً، فإنه كان يرى أنه الامام و قد خرجوا عن طاعته، و أمروا عليهم غيره، فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة و لزوم الجماعة، كما أنذرهم بذلك على لسان النعمان بن بشير و مسلم بن عقبة كما تقدم، و قد جاء في الصحيح: «من جاءكم و أمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان». و أما ما يوردونه عنه من الشعر في ذلك و استشهاده بشعر ابن الزبعري في وقعة أحد التي يقول فيها
ليت أشياخى ببدر شهدوا* * * جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حلت بفنائهم برّكها* * * و استحر القتل في عبد الأشل
قد قتلنا الضعف من أشرافهم* * * و عدلنا ميل بدر فاعتدل
و قد زاد بعض الروافض فيها فقال:-
لعبت هاشم بالملك فلا* * * ملك جاءه و لا وحي نزل
فهذا إن قاله يزيد بن معاوية فلعنة اللَّه عليه و لعنة اللاعنين، و إن لم يكن قاله فلعنة اللَّه على من وضعه عليه ليشنع به عليه، و سيذكر في ترجمة يزيد بن معاوية قريبا، و ما ذكر عنه و ما قيل فيه و ما كان يعانيه من الأفعال و القبائح و الأقوال في السنة الآتية، فإنه لم يمهل بعد وقعة الحرة و قتل الحسين إلا يسيرا حتى قصمه اللَّه الّذي قصم الجبابرة قبله و بعده، إنه كان عليما قديرا. و قد توفى في هذه السنة خلق من المشاهير و الأعيان من الصحابة و غيرهم في وقعة الحرة مما يطول ذكرهم. فمن مشاهيرهم من الصحابة عبد اللَّه بن حنظلة أمير المدينة في وقعة الحرة، و معقل بن سنان و عبيد اللَّه بن زيد بن عاصم رضى اللَّه عنهم، و مسروق بن الأجدع.
ثم دخلت سنة أربع و ستين
ففيها في أول المحرم منها سار مسلم بن عقبة إلى مكة قاصدا قتال ابن الزبير و من التفّ عليه من الأعراب، على مخالفة يزيد بن معاوية، و استخلف على المدينة روح بن زنباع، فلما بلغ ثنية هرشا بعث إلى رءوس الأجناد فجمعهم، فقال: إن أمير المؤمنين عهد إليّ إن حدث بى حدث الموت أن أستخلف عليكم حصين بن نمير السكونيّ، و و اللَّه لو كان الأمر لي ما فعلت، ثم دعا به فقال: انظر يا ابن بردعة الحمار فاحفظ ما أوصيك به، ثم أمره إذا وصل مكة أن يناجز ابن الزبير قبل ثلاث، ثم
[١] سقط من المصرية