البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٥ - و هذه صفة مقتله رضى اللَّه عنه مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح و البهتان
كتب إلى أهل الكوفة أن أقدم عليهم، فاذ قد كرهوني فأنا راجع إلى مكة و أذركم. فلما بلغ عمر بن سعد هذا قال: أرجو أن يعافيني اللَّه من حربه،
و كتب إلى ابن زياد بذلك، فرد عليه ابن زياد:
أن حل بينهم و بين الماء كما فعل بالتقى الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، و اعرض على الحسين أن يبايع هو و من معه لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فإذا فعلوا ذلك رأينا رأينا، و جعل أصحاب عمر بن سعد يمنعون أصحاب الحسين من الماء، و على سرية منهم عمرو بن الحجاج، فدعا عليهم بالعطش فمات هذا الرجل من شدة العطش. ثم إن الحسين طلب من عمر بن سعد أن يجتمع به بين العسكرين، فجاء كل واحد منهما في نحو من عشرين فارسا، فتكلما طويلا حتى ذهب هزيع من الليل، و لم يدر أحد ما قالا، و لكن ظن بعض الناس أنه سأله أن يذهب معه إلى يزيد بن معاوية إلى الشام و يتركا العسكرين متواقفين،
فقال عمر إذاً يهدم ابن زياد داري، فقال الحسين: أنا أبنيها لك أحسن مما كانت، قال: إذا يأخذ ضياعي، قال أنا أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز،
قال: فتكره عمر بن سعد من ذلك. و قال بعضهم: بل سأل منه إما أن يذهبا إلى يزيد، أو يتركه يرجع إلى الحجاز أو يذهب إلى بعض الثغور فيقاتل الترك، فكتب عمر إلى عبيد اللَّه بذلك، فقال: نعم! قد قبلت، فقام الشمر بن ذي الجوشن فقال: لا و اللَّه حتى ينزل على حكمك هو و أصحابه، ثم قال: و اللَّه لقد بلغني أن حسينا و ابن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل، فقال له ابن زياد: فنعم ما رأيت.
و قد روى أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب عن عقبة بن سمعان. قال: لقد صحبت الحسين من مكة إلى حين قتل، و اللَّه ما من كلمة قالها في موطن إلا و قد سمعتها، و إنه لم يسأل أن يذهب إلى يزيد فيضع يده إلى يده، و لا أن يذهب إلى ثغر من الثغور، و لكن طلب منهم أحد أمرين، إما أن يرجع من حيث جاء، و إما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه. ثم إن عبيد اللَّه بعث شمر بن ذي الجوشن فقال: اذهب فان جاء حسين و أصحابه على حكمي و إلا فمر عمر بن سعد أن يقاتلهم، فان تباطأ عن ذلك فاضرب عنقه ثم أنت الأمير على الناس.
و كتب إلى عمر بن سعد يتهدده على توانيه في قتال الحسين، و أمره إن لم يجئ الحسين إليه أن يقاتله و من معه، فإنهم مشاقون. فاستأمن عبيد اللَّه بن أبى المحل لبني عمته أم البنين بنت حرام من على، و هم العباس و عبد اللَّه و جعفر و عثمان. فكتب لهم ابن زياد كتاب أمان و بعثه عبيد اللَّه بن المحل مع مولى له يقال له كرمان، فلما بلغهم ذلك قالوا: أما أمان ابن سمية. فلا نريده، و إنا لنرجو أمانا خيرا من أمان ابن سمية. و لما قدم شمر بن ذي الجوشن على عمر بن سعد بكتاب عبيد اللَّه بن زياد، قال عمر: أبعد اللَّه دارك، و قبح ما جئت به، و اللَّه إني لأظنك الّذي صرفته عن الّذي عرضت عليه من الأمور الثلاثة التي طلبها الحسين، فقال له شمر: فأخبرني ما أنت صانع؟ أ تقاتلهم أنت أو تاركي و إياهم؟