البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٦ - صفة ابن عباس
فبعثا أبا الطفيل عامر بن واثلة فاستنجد لهما من العراق من شيعتهما. فقدم أربعة آلاف فكبروا بمكة تكبيرة واحدة، و هموا بابن الزبير فهرب فتعلق بأستار الكعبة، و قال: أنا عائذ باللَّه، فكفوهم عنه، ثم مالوا إلى ابن عباس و ابن الحنفية و قد حمل ابن الزبير حول دورهم الحطب ليحرقهم، فخرجوا بهما حتى نزلوا الطائف، و أقام ابن عباس سنتين لم يبايع أحدا كما تقدم.
فلما كان في سنة ثمان و ستين توفى ابن عباس بالطائف، و صلّى عليه محمد بن الحنفية، فلما وضعوه ليدخلوه في قبره جاء طائر أبيض لم ير مثل خلقته، فدخل في أكفانه و التف بها حتى دفن معه. قال عفان: و كانوا يرون علمه و عمله، فلما وضع في اللحد تلا تال لا يعرف من هو و في رواية أنهم سمعوا من قبره يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي هذا القول في وفاته هو الّذي صححه غير واحد من الأئمة، و نص عليه أحمد بن حنبل و الواقدي و ابن عساكر، و هو المشهور عند الحفاظ، و قيل إنه توفى في سنة ثلاث و ستين، و قيل سنة ثلاث و سبعين، و قيل سنة سبع و ستين، و قيل سنة تسع و ستين، و قيل سنة سبعين. و الأول أصح، و هذه الأقوال كلها شاذة غريبة مردودة و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم. و كان عمره يوم مات ثنتين و سبعين سنة، و قيل إحدى و سبعين، و قيل أربع و سبعين، و الأول أصح و اللَّه أعلم.
صفة ابن عباس
كان جسيما إذا جلس يأخذ مكان رجلين، جميلا له وفرة، قد شاب مقدم رأسه، و شابت لمته، و كان يخضب بالحناء و قيل بالسواد، حسن الوجه يلبس حسنا و يكثر من الطيب بحيث إنه كان إذا مر في الطريق يقول النساء هذا ابن عباس أو رجل معه مسك، و كان وسيما أبيض طويلا جسيما فصيحا، و لما عمى اعترى لونه صفرة يسيرة. و قد كان بنو العباس عشرة، و هم الفضل، و عبد اللَّه، و عبيد اللَّه، و معبد، و قثم، و عبد الرحمن، و كثير، و الحارث، و عون، و تمام. و كان أصغرهم تمام، و لهذا كان يحمله و يقول.
تموا بتمام فصاروا عشرة* * * يا رب فاجعلهم كراما بررة
و اجعلهم ذكرا و أنم الثمرة
فأما الفضل فمات بأجنادين شهيدا، و عبد اللَّه بالطائف، و عبيد اللَّه باليمن، و معبد و عبد الرحمن بإفريقية، و قثم و كثير بينبع، و قيل إن قثما مات بسمرقند، و قد قال مسلم بن حماد المكيّ مولى بنى مخزوم: ما رأيت مثل بنى أم واحدة أشراف ولدوا في دار واحدة أبعد قبورا من بنى أم الفضل، ثم ذكر مواضع قبورهم كما تقدم، إلا أنه قال الفضل مات بالمدينة، و عبيد اللَّه بالشام.
و قد كان عبد اللَّه بن عباس يلبس الحلة بألف درهم، و كان له من الولد العباس و على، و كان على يدعى السجاد لكثرة صلاته، و كان أجمل قرشي على وجه الأرض، و قد قيل إنه كان يصلى كل يوم