البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٤ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
يصبح، و يسجد ليله حتى يصبح. و قال بعضهم: ركع ابن الزبير يوما فقرأت البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و ما رفع رأسه. و قال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: كنت إذا رأيت ابن الزبير يصلى كأنه كعب راسب، و في رواية ثابت. و قال أحمد: تعلم عبد الرزاق الصلاة من ابن جريج، و ابن جريج من عطاء، و عطاء من ابن الزبير، و ابن الزبير من الصديق، و الصديق من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن ابن المنكدر قال:
لو رأيت ابن الزبير يصلى كأنه غصن شجرة يصفقها الريح، و المنجنيق يقع هاهنا و هاهنا. قال سفيان: كأنه لا يبالي به و لا يعده شيئا. و حكى بعضهم لعمر بن عبد العزيز أن حجرا من المنجنيق وقع على شرفة المسجد فطارت فلقة منه فمرت بين لحية ابن الزبير و حلقه، فما زال عن مقامه و لا عرف ذلك في صورته، فقال عمر بن عبد العزيز: لا إله إلا اللَّه، جاء ما وصفت. و قال عمر بن عبد العزيز يوما لابن أبى مليكة: صف لنا عبد اللَّه بن الزبير، فقال: و اللَّه ما رأيت جلدا قط ركب على لحم و لا لحما على عصب و لا عصبا على عظم مثله، و لا رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه، و لقد مرت آجرة من رمى المنجنيق بين لحيته و صدره فو اللَّه ما خشع و لا قطع لها قراءته، و لا ركع دون ما كان يركع، و كان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شيء إليها. و لقد كان يركع فيكاد الرخم أن يقع على ظهره و يسجد فكأنه ثوب مطروح.
و قال أبو القاسم البغوي عن على بن الجعد عن شعبة عن منصور بن زاذان قال: أخبرنى من رأى ابن الزبير يسرب في صلاته و كان ابن الزبير من المصلين. [و سئل ابن عباس عن ابن الزبير فقال:
كان قارئا لكتاب اللَّه، متبعا لسنة رسول اللَّه، قانتا للَّه صائما في الهواجر من مخافة اللَّه، ابن حواري رسول اللَّه، و أمه بنت الصديق، و خالته عائشة حبيبة حبيب اللَّه، زوجة رسول اللَّه، فلا يجهل حقه إلا من أعماه اللَّه] [١] و روى أن ابن الزبير كان يوما يصلى فسقطت حية من السقف فطوقت على بطن ابنه هاشم فصرخ النسوة و انزعج أهل المنزل و اجتمعوا على قتل تلك الحية فقتلوها، و سلم الولد، فعلوا هذا كله و ابن الزبير في الصلاة لم يلتفت و لا درى بما جرى حتى سلم. و قال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الخزامي و عبد الملك بن عبد العزيز و من لا أحصى كثرة من أصحابنا أن ابن الزبير كان يواصل الصوم سبعا، يصوم يوم الجمعة و لا يفطر إلا ليلة الجمعة الأخرى، و يصوم بالمدينة و لا يفطر إلا بمكة، و يصوم بمكة فلا يفطر إلا بالمدينة، و كان إذا أفطر أول ما يفطر على لين لقحة و سمن و صبر، و في رواية أخرى فأما اللبن فيعصمه، و أما السمن فيقطع عنه العطش، و أما الصبر فيفتق الأمعاء. و قال ابن معين عن روح عن حبيب بن الشهيد عن ابن أبى مليكة قال: كان ابن
[١] سقط من المصرية