البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٨ - ثم دخلت سنة ثلاث و ستين
ذلك و اجتمعوا عند المنبر فجعل الرجل منهم يقول: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه، و يلقيها عن رأسه، و يقول الآخر: قد خلعته كما خلعت نعلى هذه، حتى اجتمع شيء كثير من العمائم و النعال هناك، ثم اجتمعوا على إخراج عامل يزيد من بين أظهرهم، و هو عثمان بن محمد بن أبى سفيان بن عم يزيد، و على إجلاء بنى أمية من المدينة، فاجتمعت بنو أمية في دار مروان بن الحكم، و أحاط بهم أهل المدينة يحاصرونهم، و اعتزل الناس على بن الحسين «زين العابدين» و كذلك عبد اللَّه بن عمر ابن الخطاب لم يخلعا يزيد، و لا أحد من بيت ابن عمر، و قد قال ابن عمر لأهله: لا يخلعن أحد منكم يزيد فتكون الفيصل و يروى الصيلم بيني و بينه، و سيأتي هذا الحديث بلفظه و إسناده في ترجمة يزيد، و أنكر على أهل المدينة في مبايعتهم لابن مطيع و ابن حنظلة على الموت، و قال: إنما كنا نبايع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على أن لا نفر، و كذلك لم يخلع يزيد أحد من بنى عبد المطلب، و قد سئل محمد بن الحنفية في ذلك فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و ناظرهم و جادلهم في يزيد ورد عليهم ما اتهموا يزيد به من شرب الخمر و تركه بعض الصلوات كما سيأتي مبسوطا في ترجمة يزيد قريبا إن شاء اللَّه، و كتب بنو أمية إلى يزيد بما هم فيه من الحصر و الإهانة، و الجوع و العطش، و إنه إن لم يبعث إليهم من ينقذهم مما هم فيه و إلا استؤصلوا عن آخرهم، و بعثوا ذلك مع البريد، فلما قدم بذلك على يزيد وجده جالسا على سريره و رجلاه في ماء يتبرد به مما به من النقرس في رجليه، فلما قرأ الكتاب انزعج لذلك و قال:
ويلك! ما فيهم ألف رجل؟ قال: بلى، قال: فهل لا قاتلوا ساعة من نهار؟ ثم بعث إلى عمرو بن سعيد ابن العاص فقرأ عليه الكتاب و استشاره فيمن يبعثه إليهم، و عرض عليه أن يبعثه إليهم فأبى عليه ذلك، و قال: إن أمير المؤمنين عزلنى عنها و هي مضبوطة و أمورها محكمة، فأما الآن فإنما دماء قريش تراق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك منهم، ليتول ذلك من هو أبعد منهم منى، قال: فبعث البريد إلى مسلم بن عقبة المزني و هو شيخ كبير ضعيف فانتدب لذلك و أرسل معه يزيد عشرة آلاف فارس، و قيل اثنا عشر ألفا و خمسة عشر ألف رجل، و أعطى كل واحد منهم مائة دينار و قيل أربعة دنانير، ثم استعرضهم و هو على فرس له، قال المدائني: و جعل على أهل دمشق عبد اللَّه بن مسعدة الفزاري، و على أهل حمص حصين بن نمير السكونيّ، و على أهل الأردن حبيش بن دلجة القيني، و على أهل فلسطين روح بن زنباع الجذامي و شريك الكناني، و على أهل قنسرين طريف بن الحسحاس الهلالي، و عليهم مسلم بن عقبة المزني من غطفان، و إنما يسميه السلف مسرف بن عقبة. فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين ولنى عليهم أكفك- و كان العمان أخا عبد اللَّه بن حنظلة لأمه عمرة بنت رواحة- فقال يزيد لا! ليس لهم إلا هذا الغشمة، و اللَّه لأقتلنهم بعد إحساني إليهم و عفوي عنهم مرة بعد مرة. فقال النعمان يا أمير المؤمنين أنشدك اللَّه في عشيرتك و أنصار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال له عبد اللَّه بن جعفر: أ رأيت