البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٩ - ثم دخلت سنة ثلاث و ستين
إن رجعوا إلى طاعتك أ يقبل منهم؟ قال: إن فعلوا فلا سبيل عليهم، و قال يزيد لمسلم بن عقبة: ادع القوم ثلاثا فان راجعوا إلى الطاعة فاقبل منهم و كف عنهم، و إلا فاستعن باللَّه و قاتلهم، و إذا ظهرت عليهم فأبح المدينة ثلاثا ثم اكفف عن الناس، و انظر إلى على بن الحسين فاكفف عنه و استوص به خيرا، و أدن مجلسه، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه، و أمر مسلم إذا فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة لحصار ابن نمير، و قال له: إن حدث بك أمر فعلى الناس حصين بن نمير السكونيّ. و قد كان يزيد كتب إلى عبد اللَّه بن زياد أن يسير إلى الزبير فيحاصره بمكة، فأبى عليه و قال: و اللَّه لا أجمعهما للفاسق أبدا، أقتل ابن بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أغزو البيت الحرام؟ و قد كانت أمه مرجانة قالت له حين قتل الحسين: ويحك ما ذا صنعت و ما ذا ركبت؟ و عنفته تعنيفا شديدا. قالوا: و قد بلغ يزيد أن ابن الزبير يقول في خطبته: يزيد القرود، شارب الخمور، تارك الصلوات، منعكف على القينات. فلما جهز مسلم بن عقبة و استعرض الجيش بدمشق جعل يقول:-
أبلغ أبا بكر إذا الجيش سرى* * * و أشرف الجيش على وادي القرى
أجمع سكران من القوم ترى* * * يا عجبا من ملحد في أم القرى
مخادع للدين يقضى بالفرى
و في رواية
أبلغ أبا بكر إذا الأمر انبرى* * * و نزل الجيش على وادي القرى
عشرون ألفا بين كهل و فتى* * * أجمع سكران من القوم ترى
قالوا: و سار مسلم بمن معه من الجيوش إلى المدينة، فلما اقترب منها اجتهد أهل المدينة في حصار بنى أمية، و قالوا لهم: و اللَّه لنقتلنكم عن آخركم أو تعطونا موثقا أن لا تدلوا علينا أحدا من هؤلاء الشاميين، و لا تمالئوهم علينا، فأعطوهم العهود بذلك، فلما وصل الجيش تلقاهم بنو أمية فجعل مسلم يسألهم عن الأخبار فلا يخبره أحد، فانحصر لذلك، و جاءه عبد الملك بن مروان فقال له: إن كنت تريد.
النصر فانزل شرقى المدينة في الحرة، فإذا خرجوا إليك كانت الشمس في أقفيتكم و في وجوههم، فادعهم إلى الطاعة، فان أجابوك و إلا فاستعن باللَّه و قاتلهم فان اللَّه ناصرك عليهم إذ خالفوا الامام و خرجوا عن الطاعة. فشكره مسلم بن عقبة على ذلك، و امتثل ما أشار به، فنزل شرقى المدينة في الحرة، و دعا أهلها ثلاثة أيام، كل ذلك يأبون إلا المحاربة و المقاتلة، فلما مضت الثلاث قال لهم في اليوم الرابع- و هو يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث و ستين- قال لهم:
يا أهل المدينة: مضت الثلاث و إن أمير المؤمنين قال لي: إنكم أصله و عشيرته، و إنه يكره إراقة دمائكم، و إنه أمرنى أن أؤجلكم ثلاثا فقد مضت، فما ذا أنتم صانعون؟ أ تسالمون أم تحاربون؟
فقالوا: بل نحارب. فقال: لا تفعلوا بل سالموا و نجعل جدنا و قوتنا على هذا الملحد- يعنى ابن الزبير-