البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧ - ثم دخلت سنة أربع و أربعين
حديث يزيد بن أبى حبيب باسناده نحوه و فيه زيادات على هذا السياق، فمنها قوله: كي أستأنس بكم لأنظر ما ذا أراجع رسل ربى عز و جل. و في رواية أنه بعد هذا حول وجهه إلى الجدار و جعل يقول:
اللَّهمّ أمرتنا فعصينا، و نهيتنا فما انتهينا، و لا يسعنا إلا عفوك. و في رواية أنه وضع يده على موضع الغل من عنقه و رفع رأسه إلى السماء و قال: اللَّهمّ لا قوى فانتصر، و لا برئ فأعتذر، و لا مستنكر بل مستغفر، لا إله إلا أنت، فلم يزل يرددها حتى مات رضى اللَّه عنه.
و أما محمد بن مسلمة الأنصاري [فقد] أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل أسيد بن حضير و سعد ابن معاذ، شهد بدرا و ما بعدها إلا تبوك فإنه استخلفه رسول اللَّه على المدينة في قول، و قيل استخلفه في قرقرة الكدر، و كان فيمن قتل كعب بن الأشرف اليهودي، و قيل إنه الّذي قتل مرحبا اليهودي يوم خيبر أيضا. و قد أمّره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على نحو من خمس عشرة سرية، و كان ممن اعتزل تلك الحروب بالجمل و صفين و نحو ذلك، و اتخذ سيفا من خشب. و قد ورد في حديث قدمناه أنه أمره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بذلك و خرج إلى الرَّبَذَة. و كان من سادات الصحابة، و كان هو رسول عمر إلى عماله و هو الّذي شاطرهم عن أمره، و له وقائع عظيمة و صيانة و أمانة بليغة، رضى اللَّه عنه، و استعمله على صدقات جهينة، و قيل إنه توفى سنة ست أو سبع و أربعين، و قيل غير ذلك. و قد جاوز السبعين، و ترك بعده عشرة ذكور و ست بنات، و كان أسمر شديد السمرة طويلا أصلع رضى اللَّه عنه.
و ممن توفى فيها عبد اللَّه بن سلام أبو يوسف الإسرائيلي، أحد أحبار اليهود، أسلم حين قدم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) المدينة،
قال: لما قدم رسول اللَّه المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل إليه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: «أيها الناس أفشوا السلام، و أطعموا الطعام، و صلوا الأرحام تدخلوا الجنة بسلام».
و قد ذكرنا صفة إسلامه أول الهجرة، و ما ذا سأل عنه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الأسئلة النافعة الحسنة، رضى اللَّه عنه. و هو ممن شهد له رسول اللَّه بالجنة، و هو ممن يقطع له بدخولها.
ثم دخلت سنة أربع و أربعين
فيها غزا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم و معه المسلمون و شتوا هنالك، و فيها غزا بسر ابن أبى أرطاة في البحر، و فيها عزل معاوية عبد اللَّه بن عامر عن البصرة، و ذلك أنه ظهر فيها الفساد و كان ليّن العريكة سهلا، يقال إنه كان لا يقطع لصا و يريد أن يتألف الناس، فذهب عبد اللَّه بن أبى أوفى المعروف بابن الكواء فشكاه إلى معاوية، فعزل معاوية ابن عامر عن البصرة و بعث إليها الحرث بن عبد اللَّه الأزدي، و يقال إن معاوية استدعاه إليه ليزوره فقدم ابن عامر على معاوية دمشق فأكرمه و رده على عمله، فلما ودعه قال له معاوية: ثلاث أسألكهن فقل هي لك و أنا ابن أم