البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨ - ثم دخلت سنة أربع و أربعين
حكيم، ترد على عملي و لا تغضب، قال ابن عامر: قد فعلت، قال معاوية: و تهب لي مالك بعرفة، قال: قد فعلت. قال: و تهب لي دورك بمكة، قال: قد فعلت. فقال له معاوية: و صلتك رحما، فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين و إني سائلك ثلاثا فقل هي لك و أنا ابن هند، قال: ترد على مالي بعرفة، قال: قد فعلت قال و لا تحاسب: لي عاملا و لا أميرا، قال: قد فعلت، قال: و تنكحني ابنتك هندا، قال: قد فعلت. و يقال إن معاوية خيره بين هذه الثلاث و بين الولاية على البصرة فاختار هذه الثلاث و اعتزل عن البصرة. قال ابن جرير: و في هذه السنة استلحق معاوية زياد ابن أبيه فألحقه بأبي سفيان، و ذلك أن رجلا شهد على إقرار أبى سفيان أنه عاهر بسمية أم زياد في الجاهلية، و أنها حملت بزياد هذا منه، فلما استلحقه معاوية قيل له زياد بن أبى سفيان، و قد كان الحسن البصري ينكر هذا الاستلحاق و يقول:
قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «الولد للفراش و للعاهر الحجر».
و قال أحمد: ثنا هشيم ثنا خالد عن أبى عثمان قال: لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت:
ما هذا الّذي صنعتم؟
سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: سمعت أذنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه و هو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام»
فقال أبو بكرة: و أنا سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، أخرجاه من حديث أبى عثمان عنهما. قلت: أبو بكرة و اسمه نفيع و أمه سمية أيضا. و حج بالناس في هذه السنة معاوية، و فيها عمل معاوية المقصورة بالشام، و مروان مثلها بالمدينة.
و في هذه السنة توفيت أم حبيبة بنت أبى سفيان أم المؤمنين، و اسمها رملة أخت معاوية، أسلمت قديما و هاجرت هي و زوجها عبد اللَّه بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر هناك زوجها، و ثبتت على دينها رضى اللَّه عنها، و حبيبة هي أكبر أولادها منه، ولدتها بالحبشة و قيل بمكة قبل الهجرة، و مات زوجها هنالك لعنة اللَّه و قبحه. و لما تأيمت من زوجها بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشي فزوجها منه، و ولى العقد خالد بن سعيد بن العاص، و أصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار و حملها إليه في سنة سبع، و لما جاء أبوها عام الفتح ليشهد العقد دخل عليها فثنت عنه فراش رسول اللَّه فقال لها: و اللَّه يا بنية ما أدرى أرغبت بهذا الفراش عنى أم بى عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول اللَّه و أنت رجل مشرك، فقال لها: و اللَّه يا بنية لقد لقيت بعدي شرا. و قد كانت من سيدات أمهات المؤمنين و من العابدات الورعات رضى اللَّه عنها. قال محمد بن عمر الواقدي:
حدثني أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبى سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة عند موتها فقالت: قد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر. فقلت:
يغفر اللَّه لي و لك، ما كان من ذلك كله و تجاوزت و حاللتك، فقالت: سررتينى سرك اللَّه. و أرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك.