البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٢ - ذكر من توفى فيها من الأعيان
عتبة بن أبى سفيان، فولاه المدينة، و ذلك أن ابن الزبير لما بلغه مقتل الحسين شرع يخطب الناس و يعظم قتل الحسين و أصحابه جدا، و يعيب على أهل الكوفة و أهل العراق ما صنعوه من خذلانهم الحسين، و يترحم على الحسين و يلعن من قتله، و يقول: أما و اللَّه لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أما و اللَّه ما كان يستبدل بالقرآن الغنا و الملاهي، و لا بالبكاء من خشية اللَّه اللغو و الحداء، و لا بالصيام شرب المدام و أكل الحرام، و لا بالجلوس في حلق الذكر طلب الصيد،- يعرّض في ذلك بيزيد بن معاوية- فسوف يلقون غيا، و يؤلب الناس على بنى أمية و يحثهم على مخالفته و خلع يزيد. فبايعه خلق كثير في الباطن، و سألوه أن يظهرها فلم يمكنه ذلك مع وجود عمرو بن سعيد، و كان شديدا عليه و لكن فيه رفق، و قد كان كاتبه أهل المدينة و غيرهم، و قال الناس: أما إذ قتل الحسين فليس ينازع أحد ابن الزبير، فلما بلغ ذلك يزيد شق ذلك عليه و قيل له: إن عمرو بن سعيد لو شاء لبعث إليك برأس ابن الزبير، أو يحاصره حتى يخرجه من الحرم، فبعث فعزله و ولى الوليد بن عتبة فيها، و قيل في مستهل ذي الحجة، فأقام للناس الحج فيها، و حلف يزيد ليأتينى ابن الزبير في سلسلة من فضة، و بعث بها مع البريد و معه برنس من خز ليبر يمينه، فلما مر البريد على مروان و هو بالمدينة و أخبره بما هو قاصد له و ما معه من الغل أنشأ مروان يقول:-
فخذها فما هي للعزيز بخطة* * * و فيها مقال لامرئ متذلل
أ عامر إن القوم ساموك خطة* * * و ذلك في الجيران غزل بمغزل
أراك إذا ما كنت في القوم ناصحا* * * يقال له بالدلو أدبر و أقبل
فلما انتهت الرسل إلى عبد اللَّه بن الزبير بعث مروان ابنيه عبد الملك و عبد العزيز ليحضرا مراجعته في ذلك، و قال: أسمعاه قولي في ذلك، قال عبد العزيز: فلما جلس الرسل بين يديه جعلت أنشده ذلك و هو يسمع و لا أشعره، فالتفت إليّ فقال: أخبرا أباكما أنى أقول:-
إني لمن نبعة صم مكاسرها* * * إذا تناوحت القصباء و العشر
و لا ألين لغير الحق أسأله* * * حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
قال عبد العزيز: فما أدرى أيما كان أعجب!! قال أبو معشر: لا خلاف بين أهل السير أن الوليد بن عتبة حج بالناس في هذه السنة و هو أمير الحرمين و على البصرة و الكوفة عبيد اللَّه بن زياد، و على خراسان و سجستان سلم بن زياد أخو عبيد اللَّه ابن زياد، و على قضاء الكوفة شريح، و على قضاء البصرة هشام بن هبيرة.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الحسين بن على رضى اللَّه عنهما و معه بضعة عشر من أهل بيته قتلوا جميعا بكربلاء، و قيل بضعة