البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٧ - ذكر من توفى في هذه السنة من الأعيان الحسن بن على بن أبى طالب
عنده و معه السيف متقلدا به يحاجف عن عثمان فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييبا لقلب على، و خوفا عليه رضى اللَّه عنهم.
و كان على يكرم الحسن إكراما زائدا، و يعظمه و يبجله و قد قال له يوما: يا بنى ألا تخطب حتى أسمعك؟ فقال: إني أستحيى أن أخطب و أنا أراك، فذهب على فجلس حيث لا يراه الحسن ثم قام الحسن في الناس خطيبا و عليّ يسمع، فأدى خطبة بليغة فصيحة فلما انصرف جعل على يقول: ذرية بعضها من بعض و اللَّه سميع عليم.
و قد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن و الحسين إذا ركبا، و يرى هذا من النعم عليه. و كانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون (عليهما السلام) عليهما، رضى اللَّه عنهما و أرضاهما. و كان ابن الزبير يقول:
و اللَّه ما قامت النساء عن مثل الحسن بن على. و قال غيره: كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول اللَّه يجلس في مصلاه يذكر اللَّه حتى ترتفع الشمس، و يجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهنّ و ربما أتحفنه ثم ينصرف إلى منزله. و لما نزل لمعاوية عن الخلافة من ورعه صيانة لدماء المسلمين، كان له على معاوية في كل عام جائزة، و كان يفد إليه، فربما أجازه بأربعمائة ألف درهم، و راتبه في كل سنة مائة ألف، فانقطع سنة عن الذهاب و جاء وقت الجائزة فاحتاج الحسن إليها- و كان من أكرم الناس- فأراد أن يكتب إلى معاوية ليبعث بها إليه، فلما نام تلك الليلة رأى رسول اللَّه في المنام فقال له: يا بنى أ تكتب إلى مخلوق بحاجتك؟ و علمه دعاء يدعو به» فترك الحسن. ما كان همّ به من الكتابة، فذكره معاوية و افتقده، و قال: ابعثوا إليه بمائتي ألف فلعل له ضرورة في تركه القدوم علينا، فحملت إليه من غير سؤال.
قال صالح بن أحمد: سمعت أبى يقول: الحسن بن على مدني ثقة. حكاه ابن عساكر في تاريخه، قالوا:
و قاسم اللَّه ماله ثلاث مرات، و خرج من ماله مرتين، و حج خمسا و عشرين مرة ماشيا و إن الجنائب لتقاد بين يديه. و روى ذلك البيهقي من طريق عبيد اللَّه بن عمير عن ابن عباس. و قال على بن زيد بن جدعان: و قد علق البخاري في صحيحه أنه حج ماشيا و الجنائب تقاد بين يديه، و روى داود بن رشيد عن حفص عن جعفر بن محمد عن أبيه. قال: حج الحسن بن على ماشيا و الجنائب تقاد بين يديه و نجائبه تقاد إلى جنبه.
و قال العباس بن الفضل عن القاسم عن محمد بن على قال قال الحسن بن على: إني لأستحيى من ربى أن ألقاه و لم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرة إلى المدينة على رجليه،
قالوا: و كان يقرأ في بعض خطبه سورة إبراهيم، و كان يقرأ كل ليلة سورة الكهف قبل أن ينام، يقرؤها من لوح كان يدور معه حيث كان من بيوت نسائه، فيقرؤه بعد ما يدخل في الفراش قبل أن ينام رضى اللَّه عنه. و قد كان من الكرم على جانب عظيم، قال محمد بن سيرين:
ربما أجاز الحسن بن على الرجل الواحد بمائة ألف. و قال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن رجلا