البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٠ - صفة مخرج الحسين إلى العراق و ما جرى له بعد ذلك
أن يستفزوا عليك الناس و يقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الّذي دعوك أشد الناس عليك. فقال الحسين: إني أستخير اللَّه و انظر ما يكون. فخرج ابن عباس عنه، و دخل ابن الزبير فقال له:
ما أدرى ما تركنا لهؤلاء القوم و نحن أبناء المهاجرين، و ولاة هذا الأمر دونهم، أخبرنى ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: و اللَّه لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، و لقد كتب إلى شيعتي بها و أشرافها بالقدوم عليهم، و أستخير اللَّه. فقال ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها. فلما خرج من عنده قال الحسين: قد علم ابن الزبير أنه ليس له من الأمر معى شيء، و أن الناس لم يعدلوا بى غيري، فود أنى خرجت لتخلو له. فلما كان من العشي أو من الغد، جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له يا ابن عم! إني أتصبر و لا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفى أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، و إلا فسر إلى اليمن فان به حصونا و شعابا، و لأبيك به شيعة، و كن عن الناس في معزل، و اكتب إليهم و بث دعاتك فيهم، فانى أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب. فقال الحسين:
يا ابن عم! و اللَّه إني لأعلم أنك ناصح شفيق، و لكنى قد أزمعت المسير.
فقال له: فان كنت و لا بد سائرا فلا تسر بأولادك و نسائك، فو اللَّه إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان و نساؤه و ولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه بالحجاز، فو اللَّه الّذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك و ناصيتك حتى يجتمع عليّ و عليك الناس أطعتنى و أقمت لفعلت ذلك.
قال: ثم خرج من عنده فلقى ابن الزبير فقال قرت عينك يا ابن الزبير؟ ثم قال:
يا لك من قنبرة بمعمر* * * خلالك الجو فبيضي و اصفرى
و نقرى ما شئت أن تنقرى* * * صيادك اليوم قتيل فابشرى
ثم قال ابن عباس: هذا حسين يخرج إلى العراق و يخليك و الحجاز
و قال غير واحد عن شبابة بن سوار. قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر أنه كان بمكة فبلغه أن الحسين بن على قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد؟ قال: العراق، و إذا معه طوامير و كتب، فقال: هذه كتبهم و بيعتهم، فقال: لا تأتهم، فأبى. فقال ابن عمر: إني محدثك حديثا، إن جبريل أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فخيره بين الدنيا و الآخرة فاختار الآخرة و لم يرد الدنيا، و إنك بضعة من رسول اللَّه، و اللَّه ما يليها أحد منكم أبدا، و ما صرفها اللَّه عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع. قال فاعتنقه ابن عمرو بكى و قال: أستودعك اللَّه من قتيل.
و قال يحيى بن معين: حدثنا أبو عبيدة ثنا سليم بن حيان عن سعيد ابن مينا. قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو يقول: عجل حسين قدره، و اللَّه لو أدركته ما تركته يخرج