البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٢ - صفة مخرج الحسين إلى العراق و ما جرى له بعد ذلك
في حبي جهاد الظالمين.
و كتب مروان إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة، و أظن يومكم من حسين طويلا. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى اللَّه صفقة يمينه و عهده لجدير بالوفاء، و قد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، و أهل العراق من قد جربت قد أفسدوا على أبيك و أخيك، فاتق اللَّه و اذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أكدك.
فكتب اليه الحسين: أتانى كتابك و أنا بغير الّذي بلغك عنى جدير، و الحسنات لا يهدى لها إلا اللَّه، و ما أردت لك محاربة و لا عليك خلافا، و ما أظن لي عند اللَّه عذرا في ترك جهادك، و ما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة.
فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد اللَّه إلا شرا. و كتب إليه معاوية أيضا في بعض ما بلغه عنه:
إني لأظن أن في رأسك نزوة فوددت أنى أدركها فأغفرها لك. قالوا: فلما احتضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصاه به، و قال له: انظر حسين بن على بن فاطمة بنت رسول اللَّه، فإنه أحب الناس إلى الناس، فصل رحمه، و ارفق به، يصلح لك أمره، فان يكن منه شيء فانى أرجو أن يكفيكه اللَّه بمن قتل أباه و خذل أخاه. و توفى معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين، و بايع الناس يزيد، فكتب يزيد مع عبد اللَّه بن عمرو بن أويس العامري عامر بن لؤيّ، إلى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان و هو على المدينة: أن ادع الناس فبايعهم، و ابدأ بوجوه قريش، و ليكن أول من تبدأ به الحسين بن على، فان أمير المؤمنين عهد إليّ في أمره الرّفق به و استصلاحه.
فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن على و عبد اللَّه بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية، و دعاهما إلى البيعة ليزيد ابن معاوية، فقالا: إلى أن نصبح و ننظر ما يصنع الناس، و وثب الحسين فخرج و خرج معه ابن الزبير و قالا: هو يزيد الّذي نعرف، و اللَّه ما حدث له عزم و لا مروءة.
و قد كان الوليد أغلظ للحسين فشتمه الحسين و أخذ بعمامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إن هجنا بأبي عبد اللَّه إلا شرا.
فقال له مروان- أو بعض جلسائه- اقتله، فقال: إن ذلك لدم مضنون به مصون في بنى عبد مناف.
قالوا: و خرج الحسين و ابن الزبير من ليلتهما إلى مكة، و أصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد، و طلب الحسين و ابن الزبير فلم يوجدا، فقال المسور بن مخرمة: عجل الحسين و ابن الزبير يلفته و يرجيه ليخلو بمكة، فقد ما مكة فنزل الحسين دار العباس، و لزم ابن الزبير الحجر، و لبس المعافري و جعل يحرض الناس على بنى أمية، و كان يغدو و يروح إلى الحسين و يشير عليه أن يقدم العراق، و يقول: هم شيعتك و شيعة أبيك، و كان ابن عباس ينهاه عن ذلك، و قال له عبد اللَّه بن مطيع:
إني فداؤك و أبى و أمى، فأمتعنا بنفسك و لا تسر إلى العراق، فو اللَّه لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيدا و خولا. قالوا: و لقيهما عبد اللَّه بن عمر و عبد اللَّه بن عباس و ابن أبى ربيعة بالأبواء منصرفين