البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٥ - ذكر من توفى فيها من الأعيان
الأشعري على الصلاة و الثغر و حذيفة بن اليمان على الفيء، فأجاز ذلك أهل الكوفة و بعثوا إلى عثمان في ذلك فأمضاه و سره ذلك فيما أظهره، و لكن هذا كان أول وهن دخل على عثمان. و أقام سعيد بن العاص بالمدينة حتى كان زمن حصر عثمان فكان عنده بالدار، ثم لما ركب طلحة و الزبير مع عائشة من مكة يريدون قتلة عثمان ركب معهم، ثم انفرد عنهم هو و المغيرة بن شعبة و غيرهما، فأقام بالطائف حتى انقضت تلك الحروب كلها، ثم ولاه معاوية إمرة المدينة سنة تسع و أربعين، و عزل مروان فأقام سبعا ثم رد مروان. و قال عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال: بعثني زياد في شغل إلى معاوية، فلما فرغت من أمورى قلت: يا أمير المؤمنين لمن يكون الأمر من بعدك؟ فسكت ساعة ثم قال: يكون بين جماعة، إما كريم قريش سعيد بن العاص، و إما فتى قريش، حياء و دهاء و سخاء، عبد اللَّه بن عامر، و إما الحسن بن على فرجل سيد كريم، و إما القاري لكتاب اللَّه الفقيه في دين اللَّه، الشديد في حدود اللَّه، مروان بن الحكم، و أما رجل فقيه عبد اللَّه بن عمر، و أما رجل يتردد الشريعة مع دواهي السباع و يروغ روغان الثعلب فعبد اللَّه بن الزبير. و روينا أنه استسقى يوما في بعض طرق المدينة، فأخرج له رجل من دار ماء فشرب، ثم بعد حين رأى ذلك يعرض داره للبيع فسأل عنه لم يبيع داره؟ فقالوا: عليه دين أربعة آلاف دينار، فبعث إلى غريمه فقال: هي لك على، و أرسل إلى صاحب الدار فقال: استمتع بدارك. و كان رجل من القراء الذين يجالسونه قد افتقر و أصابته فاقة شديدة، فقالت له امرأته: إن أميرنا هذا يوصف بكرم، فلو ذكرت له حالك فلعله يسمح لك بشيء؟ فقال: ويحك! لا تحلقى وجهي، فألحت عليه في ذلك، فجاء فجلس إليه، فلما انصرف الناس عنه مكث الرجل جالسا في مكانه، فقال له سعيد: أظن جلوسك لحاجة؟ فسكت الرجل، فقال سعيد لغلمانه: انصرفوا، ثم قال له سعيد: لم يبق غيري و غيرك، فسكت، فأطفأ المصباح ثم قال له: رحمك اللَّه لست ترى وجهي فاذكر حاجتك، فقال: أصلح اللَّه الأمير أصابتنا فاقة و حاجة فأحببت ذكرها لك فاستحييت، فقال له: إذا أصبحت فالق وكيلي فلانا، فلما أصبح الرجل لقي الوكيل فقال له الوكيل: إن الأمير قد أمر لك بشيء فأت بمن يحمله معك، فقال:
ما عندي من يحمله، ثم انصرف الرجل إلى امرأته فلامها و قال: حملتينى على بذل وجهي للأمير، فقد أمر لي بشيء يحتاج إلى من يحمله، و ما أراه أمر لي إلا بدقيق أو طعام، و لو كان مالا لما احتاج إلى من يحمله، و لأعطانيه. فقالت له المرأة: فمهما أعطاك فإنه بقوتنا فخذه، فرجع الرجل إلى الوكيل فقال له الوكيل: إني أخبرت الأمير أنه ليس لك أحد يحمله، و قد أرسل بهؤلاء الثلاثة السودان يحملونه معك، فذهب الرجل، فلما وصل إلى منزله إذا على رأس كل واحد منهم عشرة آلاف درهم، فقال للغلمان: ضعوا ما معكم و انصرفوا، فقالوا: إن الأمير قد أطلقنا لك، فإنه ما بعث