البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٦ - ذكر من توفى فيها من الأعيان
مع خادم هدية إلى أحد إلا كان الخادم الّذي يحملها من جملتها، قال: فحسن حال ذلك الرجل.
و ذكر ابن عساكر أن زياد بن أبى سفيان بعث إلى سعيد بن العاص هدايا و أموالا و كتابا ذكر فيه أنه يخطب إليه ابنته أم عثمان من آمنة بنت جرير بن عبد اللَّه البجلي، فلما وصلت الهدايا و الأموال و الكتاب قرأه، ثم فرق الهدايا في جلسائه، ثم كتب إليه كتابا لطيفا فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم! قال اللَّه تعالى كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى و السلام: و روينا أن سعيدا خطب أم كلثوم بنت علي من فاطمة، التي كانت تحت عمر بن الخطاب، فأجابت إلى ذلك و شاورت أخويها فكرها ذلك، و في رواية إنما ذكره ذلك الحسين و أجاب الحسن، فهيأت دارها و نصبت سريرا و تواعدوا للكتاب، و أمرت ابنها زيد بن عمر أن يزوجها منه، فبعث إليها بمائة ألف، و في رواية بمائتي ألف مهرا، و اجتمع عنده أصحابه ليذهبوا معه، فقال: إني أكره أن أخرج أمى فاطمة، فترك التزويج و أطلق جميع ذلك المال لها. و قال ابن معين و عبد الأعلى بن حماد: سأل أعرابى سعيد بن العاص فأمر له بخمسمائة، فقال الخادم: خمسمائة درهم أو دينار؟ فقال: إنما أمرتك بخمسمائة درهم، و إذ قد جاش في نفسك أنها دنانير فادفع إليه خمسمائة دينار، فلما قبضها الأعرابي جلس يبكى، فقال له:
ما لك؟ أ لم تقبض نوالك؟ قال: بلى و اللَّه! و لكن أبكى على الأرض كيف تأكل مثلك. و قال عبد الحميد بن جعفر: جاء رجل في حمالة أربع ديات سأل فيها أهل المدينة، فقيل: له عليك بالحسن ابن على، أو عبد اللَّه بن جعفر، أو سعيد بن العاص، أو عبد اللَّه بن عباس، فانطلق إلى المسجد فإذا سعيد داخل إليه، فقال: من هذا؟ فقيل: سعيد بن العاص، فقصده فذكر له ما أقدمه، فتركه حتى انصرف من المسجد إلى المنزل فقال للأعرابي: ائت بمن يحمل معك؟ فقال: رحمك اللَّه! إنما سألتك مالا لا تمرا، فقال: أعرف، ائت بمن يحمل معك؟ فأعطاه أربعين ألفا فأخذها الأعرابي و انصرف و لم يسأل غيره. و قال سعيد بن العاص لابنه: يا بنى أجر للَّه المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه، أو جاءك مخاطرا لا يدرى أ تعطيه أم تمنعه، فو اللَّه لو خرجت له من جميع مالك ما كافأته. و قال سعيد: لجليسى عليّ ثلاث، إذا دنا رحبت به، و إذ جلس أوسعت له، و إذا حدث أقبلت عليه. و قال أيضا: يا بنى لا تمازح الشريف فيحقد عليك و لا الدنىء فتهون عليه، و في رواية فيجترئ عليك. و خطب يوما فقال: من رزقه اللَّه رزقا حسنا فليكن أسعد الناس به، إنما يتركه لأحد رجلين، إما مصلح فيسعد بما جمعت له و تخيب أنت، و المصلح لا يقل عليه شيء، و إما مفسد فلا يبقى له شيء. فقال أبو معاوية: جمع أبو عثمان طرف الكلام. و روى الأصمعي عن حكيم بن قيس. قال قال سعيد بن العاص: موطنان لا أستحيى من رفقي فيهما و التأني عندهما، مخاطبتي جاهلا أو سفيها، و عند مسألتى حاجة لنفسي. و دخلت عليه