البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٣ - صفة مخرج الحسين إلى العراق و ما جرى له بعد ذلك
من العمرة فقال لهما ابن عمر: أذكركما اللَّه إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، و تنظرا فان اجتمع الناس عليه فلم تشدا، و إن افترقوا عليه كان الّذي تريدان. و قال ابن عمر للحسين:
لا تخرج فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خيره اللَّه بين الدنيا و الآخرة فاختار الآخرة، و إنك بضعة منه و لا تنالها- يعنى الدنيا- و اعتنقه و بكى و ودعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن على بالخروج، و لعمري لقد رأى في أبيه و أخيه عبرة، فرأى من الفتنة و خذلان الناس لهما ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، و أن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فان الجماعة خير.
و قال له ابن عباس: و أين تريد يا ابن فاطمة؟ فقال: العراق و شيعتي، فقال: إني لكاره لوجهك هذا تخرج إلى قوم قتلوا أباك و طعنوا أخاك حتى تركهم سخطة و ملالة لهم؟ أذكرك اللَّه أن تغرر بنفسك.
و قال أبو سعيد الخدريّ: غلبني الحسين على الخروج، و قلت له: اتّق اللَّه في نفسك و الزم بيتك و لا تخرج على إمامك.
و قال أبو واقد الليثي: بلغني خروج الحسين بن على فأدركته بملل فناشدته اللَّه أن لا يخرج فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما خرج يقتل نفسه، فقال: لا أرجع.
و قال جابر بن عبد اللَّه: كلمت حسينا فقلت: اتّق اللَّه و لا تضرب الناس بعضهم ببعض، فو اللَّه ما حمدتم ما صنعتم فعصاني. و قال سعيد بن المسيب: لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له. و قال أبو سلمة ابن عبد الرحمن: و قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق و لا يخرج إليهم، و لكن شجعه على ذلك ابن الزبير. و كتب إليه المسور بن مخرمة: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق و بقول ابن الزبير: الحق بهم فإنهم ناصروك. و قال له ابن عباس: لا تبرح الحرم فإنهم إن كانت بهم إليك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوة و عدة. فجزاه خيرا و قال: أستخير اللَّه في ذلك.
و كتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع، و تأمره بالطاعة و لزوم الجماعة، و تخبره أنه إن لم يفعل إنما يساق إلى مصرعه. و تقول: أشهد لسمعت عائشة تقول إنها سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «يقتل الحسين بأرض بابل» فلما قرأ كتابها قال: فلا بد لي إذا من مصرعي و مضى.
و أتاه بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: يا ابن عم قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك و أخيك، و أنت تريد أن تسير إليهم و هم عبيد الدنيا، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، و يخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأذكرك اللَّه في نفسك.
فقال: جزاك اللَّه يا ابن عم خيرا، مهما يقضى اللَّه من أمر يكن.
فقال أبو بكر: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، نحتسب أبا عبد اللَّه عند اللَّه. و كتب إليه عبد اللَّه بن جعفر كتابا يحذره أهل العراق و يناشده اللَّه إن شخص إليهم.
فكتب إليه الحسين: إني رأيت رؤيا، و رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمرنى بأمر و أنا ماض له، و لست بمخبر بها أحدا حتى ألاقى عملي.
و كتب إليه عمرو بن سعيد بن