البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٦ - سنة ستين من الهجرة النبويّة
و كان موت معاوية لاستهلال رجب من هذه السنة. قاله هشام بن الكلبي. و قيل للنصف منه، قاله الواقدي. و قيل يوم الخميس لثمان بقين منه، قاله المدائني. قال ابن جرير: و أجمعوا على أنه هلك في رجب منها، و كان مدة ملكه استقلالا من جمادى سنة إحدى و أربعين حين بايعه الحسن بن على بأدرج، فذلك تسع عشرة سنة و ثلاثة أشهر، و كان نائبا في الشام عشرين سنة تقريبا، و قيل غير ذلك، و كان عمره ثلاثا و سبعين سنة، و قيل خمسا و سبعين سنة، و قيل ثمانيا و سبعين سنة، و قيل خمساً و ثمانين سنة، و سيأتي بقية الكلام في آخر ترجمته. و قال أبو السكن زكريا بن يحيى: حدثني عم أبى زحر بن حصين عن جده حميد بن منهب. قال: كانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، و كان الفاكه من فتيان قريش، و كان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا ذلك البيت يوما فاضطجع الفاكه و هند فيه في وقت القائلة، ثم خرج الفاكه لبعض شأنه، و أقبل رجل ممن كان يغشاه فولج البيت فلما رأى المرأة فيه ولى هاربا، و رآه الفاكه و هو خارج من البيت، فأقبل إلى هند و هي مضطجعة فضربها برجله و قال: من هذا الّذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا و لا انتبهت حتى أنبهتنى أنت، فقال لها: الحقي بأبيك، و تكلم فيها الناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك القالة، فأنبئينى نبأك، فان يكن الرجل عليك صادقا دسست إليه من يقتله فينقطع عنك القالة، و إن يك كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، فعند ذلك حلفت هند لأبيها بما كانوا يحلفون في الجاهلية إنه لكاذب عليها، فقال عتبة بن ربيعة للفاكه: يا هذا إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم، [و عار كبير، لا يغسله الماء، و قد جعلتنا في العرب بمكان ذلة و منقصة، و لو لا أنك منى ذو قرابة لقتلتك، و لكن سأحاكمك إلى كاهن اليمن] [١] فحاكمنى إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في بعض جماعة من بنى مخزوم- أقاربه- و خرج عتبة في جماعة من بنى عبد مناف، و خرجوا بهند و نسوة معها من أقاربهم، ثم ساروا قاصدين بلاد اليمن، فلما شارفوا بلاد الكاهن قالوا غدا نأتي الكاهن، فلما سمعت هند ذلك تنكرت حالها و تغير وجهها، و أخذت في البكاء، فقال لها أبوها: يا بنية قد أرى ما بك من تنكر الحال، و كثرة البكاء، و ما ذاك أراه عندك إلا لمكروه أحدثتيه، و عمل اقترفتيه، فهلا كان هذا قبل أن يشيع في الناس و يشتهر مسيرنا؟
فقالت: و اللَّه يا أبتاه ما هذا الّذي تراه منى لمكروه وقع منى، و إني لبريئة، و لكن هذا الّذي تراه من الحزن و تغير الحال هو أنى أعلم أنكم تأتون هذا الكاهن و هو بشر يخطئ و يصيب، و أخاف أن يخطئ في أمرى بشيء يكون عاره على إلى آخر الدهر، و لا آمنه أن يسمني ميسما تكون على سبة في العرب. فقال لها أبوها: لا تخافي فانى سوف أختبره و أمتحنه قبل أن يتكلم في شأنك و أمرك، فان
[١] سقط من المصرية