البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٧ - و هذه ترجمة مصعب بن الزبير (رحمه اللَّه)
أخى بشر بن مروان و أمرته بالإحسان إلى أهل الطاعة، و بالشدة على أهل المعصية، فاسمعوا له و أطيعوا.
و أما أهل البصرة فإنهم لما بلغهم مقتل مصعب تنازع في إمارتها أبان بن عثمان بن عفان، و عبيد اللَّه بن أبى بكرة، فغلبه أبان عليها، فبايعه أهلها فكان أشرف الرجلين، قال أعرابى: و اللَّه لقد رأيت رداء أبان مال عن عاتقه يوما فابتدره مروان و سعيد بن العاص أيهما يسويه عن منكبيه، و قال غيره: مدّ أبان يوما رجله فابتدرها معاوية و عبد اللَّه بن عامر أيهما يغمزها، قال: فبعث عبد الملك خالد بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد واليا عليها- يعنى على البصرة- فأخذها من أبان و استناب فيها عبيد اللَّه بن أبى بكرة، و عزل أبانا عنها. قالوا: و قد أمر عبد الملك بطعام كثير فعمل لأهل الكوفة فأكلوا من سماطه و معه يومئذ على السرير عمرو بن حريث، فقال له عبد الملك:
ما ألذ عيشتنا لو أن شيئا يدوم؟ و لكن كما قال الأول
و كل جديد يا أميم إلى البلى* * * و كل أمرئ يوما يصير إلى كان
فلما فرغ الناس من الأكل نهض فدار في القصر و جعل يسأل عمرو بن حريث عن أحوال القصر و من بنى أماكنه و بيوته ثم عاد إلى مجلسه فاستلقى و هو يقول:
اعمل على مهل فإنك ميت* * * و اكدح لنفسك أيها الإنسان
قكأن ما قد كان لم يك إذ مضى* * * و كأن ما هو كائن قد كان
قال ابن جرير: و فيها رجع عبد الملك كما زعم الواقدي إلى الشام، و فيها عزل ابن الزبير جابر ابن الأسود عن المدينة و ولى عليها طلحة بن عبد اللَّه بن عوف، و كان هو آخر أمرائه عليها، حتى قدم عليها طارق بن عمرو مولى عثمان من جهة عبد الملك. و فيها حج بالناس عبد اللَّه بن الزبير و لم يبق له ولاية على العراق. قال الواقدي: و فيها عقد عبد العزيز بن مروان نائب مصر لحسان العاني على غزو إفريقية فسار إليها في عدد كثير، فافتتح قرطاجنة و كان أهلها روما عباد أصنام. و فيها قتل نجدة الحروري الّذي تغلب على اليمامة، و فيها خرج عبد اللَّه بن ثور في اليمامة.
و هذه ترجمة مصعب بن الزبير (رحمه اللَّه)
و هو مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو عبد اللَّه القرشي، و يقال له أبو عيسى أيضا الأسدي، و أمه كرمان بنت أنيف الكلبية، كان من أحسن الناس وجها، و أشجعهم قلبا. و أسخاهم كفا، و قد حكى عن عمر بن الخطاب، و روى عن أبيه الزبير و سعد و أبى سعيد الخدريّ، و روى عنه الحكم بن عيينة و عمرو بن دينار الجمحيّ، و إسماعيل ابن أبى خالد، و وفد على معاوية، و كان ممن يجالس أبا هريرة، و كان من أحسن الناس وجها، حكى الزبير بن بكار أن جميلا نظر إليه و هو واقف بعرفة فقال: إن هاهنا فتى أكره أن تراه بثينة، و قال