البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٦ - ثم دخلت سنة إحدى و سبعين
بأنى فررت من القتال، فقال لابنه: تقدم بين يدي حتى أحتسبك، فتقدم ابنه فقاتل حتى قتل، و أثخن مصعب بالرمي فنظر إليه زائدة بن قدامة و هو كذلك فحمل عليه فطعنه و هو يقول: يا ثارات المختار، و نزل إليه رجل يقال له عبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان التميمي فقتله و حز رأسه و أتى به عبد الملك بن مروان، فسجد عبد الملك و أطلق له ألف دينار فأبى أن يقبلها و قال: لم أقتله على طاعتك و لكن بثأر كان لي عنده، و كان قد ولى له عملا قبل ذلك فعزله عنه و أهانه.
قالوا: و لما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك قال عبد الملك: لقد كان بيني و بين مصعب صحبة قديمة، و كان من أحب الناس إلى، و لكن هذا الملك عقيم، و قال: لما تفرق عن مصعب جموعه قال له ابنه عيسى: لو اعتصمت ببعض القلاع و كاتبت من بعد عنك مثل المهلب بن أبى صفرة و غيره فقدموا عليك، فإذا اجتمع لك ما تريد منهم لقيت القوم، فإنك قد ضعفت جدا. فلم يرد عليه جوابا، ثم ذكر ما جرى للحسين بن على و كيف قتل كريما و لم يلق بيده، و لم يجد من أهل العراق وفاء، و كذلك أبوه و أخوه، و نحن ما وجدنا لهم وفاء، ثم انهزم أصحابه و بقي في قليل من خواصه، و مال الجميع إلى عبد الملك، و قد كان عبد الملك يحب مصعبا حبا شديدا، و كان خليلا له قبل الخلافة، فقال لأخيه محمد: اذهب إليه فأمنه، فجاءه فقال له: يا مصعب قد أمنك ابن عمك على نفسك و ولدك و مالك و أهلك، فاذهب حيث شئت من البلاد، و لو أراد بك غير ذلك لكان، فقال مصعب:
قضى الأمر، إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبا أو مغلوبا، فتقدم ابنه عيسى فقاتل، فقال محمد بن مروان: يا ابن أخى لا تقتل نفسك. ثم ذكر من قوله ما تقدم، ثم قاتل حتى قتل (رحمه اللَّه)، ثم ذكر من قتل منهم بعده كما تقدم، قال: و لما وضع رأس مصعب بين يدي عبد الملك بكى و قال: و اللَّه ما كنت أقدر أن أصبر عليه ساعة واحدة من حبي له حتى دخل السيف بيننا، و لكن الملك عقيم. و لقد كانت المحبة و الحرمة بيننا قديمة، متى تلد النساء مثل مصعب؟ ثم أمر بمواراته و دفنه هو و ابنه و إبراهيم بن الأشتر في قبور بمسكن بالقرب من الكوفة. قال المدائني: و كان مقتل مصعب بن الزبير يوم الثلاثاء الثالث عشر من جمادى الأولى أو الآخرة من سنة إحدى و سبعين في قول الجمهور و قال المدائني: سنة ثنتين و سبعين و اللَّه أعلم.
قالوا: و لما قتل عبد الملك مصعبا ارتحل إلى الكوفة فنزل النخيلة فوفدت عليه الوفود من رؤساء القبائل و سادات العرب، و جعل يخاطبهم بفصاحة و بلاغة و استشهاد بأشعار حسنة، و بايعه أهل العراق و فرق العمالات في الناس، و ولى الكوفة قطن بن عبد اللَّه الحرى أربعين يوما، ثم عزله و ولى أخاه بشر بن مروان عليها. و خطب عبد الملك يوما بالكوفة فقال في خطبته: إن عبد اللَّه بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسى بنفسه و لم يغرز ذنبه في الحرم، ثم قال لهم: إني قد استخلفت عليكم