البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٦ - وقعة عين وردة
فخرج إليه نائبها ابن جحدم فقابله مروان ليقاتله فاشتغل به، و خلص عمرو بن سعيد بطائفة من الجيش من وراء عبد الرحمن بن جحدم فدخل مصر فملكها، و هرب عبد الرحمن و دخل مروان إلى مصر فملكها، و جعل عليها ولده عبد العزيز. و فيها بعث ابن الزبير أخاه مصعبا ليفتح له الشام، فبعث إليه مروان عمرو بن سعيد فتلقاه إلى فلسطين فهرب منه مصعب بن الزبير و كر راجعا و لم يظفر بشيء. و استقر ملك الشام و مصر لمروان.
[و قال الواقدي: إن مروان حاصر مصر فخندق عبد الرحمن بن حجدم على البلد خندقا، و خرج في أهل مصر إلى قتاله، و كانوا يتناوبون القتال و يستريحون، و يسمى ذلك يوم التراويح، و استمر القتل في خواص أهل البلد فقتل منهم خلق كثير، و قتل يومئذ عبد اللَّه بن يزيد بن معديكرب الكلاعي أحد الأشراف. ثم صالح عبد الرحمن مروان على أن يخرج إلى مكة بماله و أهله، فأجابه مروان إلى ذلك، و كتب إلى أهل مصر كتاب أمان بيده، و تفرق الناس و أخذوا في دفن موتاهم و البكاء عليهم، و ضرب مروان عنق ثمانين رجلا تخلفوا عن مبايعته، و ضرب عنق الأكيدر بن حملة اللخمي، و كان من قتلة عثمان، و ذلك في نصف جمادى الآخر يوم توفى عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فما قدروا أن يخرجوا بجنازته فدفنوه في داره، و استولى مروان على مصر و أقام بها شهرا، ثم استعمل عليها ولده عبد العزيز، و ترك عنده أخاه بشر بن مروان و موسى بن نصير وزيرا له، و أوصاه بالإحسان إلى الأكابر و رجع إلى الشام] [١] و فيها جهز مروان جيشين أحدهما مع حبيش بن دلجة العتيبى ليأخذ له المدينة، و كان من أمره ما سنذكره، و الآخر مع عبيد اللَّه بن زياد إلى العراق لينتزعه من نواب ابن الزبير، فلما كانوا ببعض الطريق لقوا جيش التوابين مع سليمان بن صرد و كان من أمرهم ما تقدم ذكره. و استمر جيش الشاميين ذاهبا إلى العراق، فلما كانوا بالجزيرة بلغهم موت مروان بن الحكم و كانت وفاته في شهر رمضان من هذه السنة، و كان سبب موته أنه تزوج بأم خالد امرأة يزيد ابن معاوية، و هي أم هاشم بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة، و إنما أراد مروان بتزويجه إياها ليصغر ابنها خالدا في أعين الناس، فإنه قد كان في نفوس كثير من الناس منه [٢] أن يملكوه بعد أخيه معاوية، فتزوج أمه ليصغر أمره، فبينما هو ذات يوم داخل إلى عند مروان، إذ جعل مروان يتكلم فيه عند جلسائه، فلما جلس قال له فيما خاطبه به: يا ابن الرطبة الاست، فذهب خالد إلى أمه فأخبرها بما قال له، فقالت: اكتم ذلك و لا تعلمه أنك أعلمتنى بذلك، فلما دخل عليها مروان قال لها: هل ذكرني خالد عندك بسوء؟ فقالت له: و ما عساه يقول لك و هو يحبك و يعظمك؟ ثم إن
[١] سقط من المصرية
[٢] كذا بالأصلين، و لعل كلمة: منه زائدة، أو أن في العبارة سقطا.