البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٥ - وقعة عين وردة
لما لقوا منهم من القتل و الجراح، فلما وصلوا الى هيت إذا سعد بن حذيفة بن اليمان قد أقبل بمن معه من أهل المدائن، قاصدين إلى نصرتهم، فلما أخبروه بما كان من أمرهم و ما حل بهم، و نعوا إليه أصحابهم ترحموا عليهم و استغفروا لهم و تباكوا على إخوانهم، و انصرف أهل المدائن إليها، و رجع راجعة أهل الكوفة إليها، و قد قتل منهم خلق كثير و جم غفير، و إذا المختار بن أبى عبيد كما هو في السجن لم يخرج منه، فكتب إلى رفاعة بن شداد يعزيه فيمن قتل منهم و يترحم عليهم و يغبطهم بما نالوا من الشهادة، و جزيل الثواب [و يقول: مرحبا بالذين أعظم اللَّه أجورهم و رضى عنهم، و اللَّه ما خطا منهم أحد خطوة إلا كان ثواب اللَّه له فيها أعظم من الدنيا و ما فيها، و إن سليمان قد قضى ما عليه و توفاه اللَّه و جعل روحه في أرواح النبيين و الشهداء و الصالحين، و بعد فأنا الأمير المأمون، قاتل الجبارين و المفسدين إن شاء اللَّه، فأعدوا و استعدوا و أبشروا، و أنا أدعوكم إلى كتاب اللَّه و سنة رسوله، و الطلب بدماء أهل البيت. و ذكر كلاما كثيرا في هذا المعنى] [١] و قد كان قبل قدومهم أخبر الناس بهلاكهم عن ربه الّذي كان يأتى إليه من الشياطين، فإنه قد كان يأتى إليه شيطان فيوحي إليه قريبا مما كان يوحى شيطان مسيلمة إليه، و كان جيش سليمان بن صرد و أصحابه يسمى بجيش التوابين (رحمهم اللَّه)، و قد كان سليمان بن صرد الخزرجي صحابيا جليلا نبيلا عابدا زاهدا، روى عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أحاديث في الصحيحين و غيرهما، و شهد مع على صفين، و كان أحد من كان يجتمع الشيعة في داره لبيعة الحسين، و كتب إلى الحسين فيمن كتب بالقدوم إلى العراق، فلما قدمها تخلوا عنه و قتل بكربلاء بعد ذلك، و رأى هؤلاء أنهم كانوا سببا في قدومه، و أنهم خذلوه حتى قتل هو و أهل بيته، فندموا، على ما فعلوا معه، ثم اجتمعوا في هذا الجيش و سموا جيشهم جيش التوابين، و سموا أميرهم سليمان بن صرد أمير التوابين، فقتل سليمان رضى اللَّه عنه في هذه الوقعة بعين وردة سنة خمس و ستين، و قيل سنة سبع و ستين، و الأول أصح. و كان عمره يوم قتل ثلاثا و تسعين سنة (رحمه اللَّه). و حمل رأسه و رأس المسيب بن نجية إلى مروان بن الحكم بعد الوقعة، و كتب أمراء الشاميين إلى مروان بما فتح اللَّه عليهم و أظفرهم من عدوهم، فخطب الناس و أعلمهم بما كان من أمر الجنود و من قتل من أهل العراق، و قد قال: أهلك اللَّه رءوس الضلال سليمان ابن صرد و أصحابه، و علق الرءوس بدمشق، و كان مروان بن الحكم قد عهد بالأمر من بعده إلى ولديه عبد الملك ثم من بعده عبد العزيز، و أخذ بيعة الأمراء على ذلك في هذه السنة، قاله ابن جرير و غيره.
و فيها دخل مروان بن الحكم و عمرو بن سعيد الأشدق إلى الديار المصرية فأخذاها من نائبها الّذي كان لعبد اللَّه بن الزبير، و هو عبد الرحمن بن حجدم، و كان سبب ذلك أن مروان قصدها
[١] سقط من المصرية.