البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٧ - شداد بن أوس بن ثابت
امرأة من العابدات و هو أمير الكوفة فأكرمها و أحسن إليها، فقالت: لا جعل اللَّه لك إلى لئيم حاجة، و لا زالت المنة لك في أعناق الكرام، و إذا أزال عن كريم نعمة جعلك سببا لردها عليه. و قد كان له عشرة من الولد ذكورا و إناثا، و كانت إحدى زوجاته أم البنين بنت الحكم بن أبى العاص- أخت مروان بن الحكم- و لما حضرت سعيدا الوفاة جمع بنيه و قال لهم: لا يفقدن أصحابى غير وجهي، و صلوهم بما كنت أصلهم به، و أجروا عليهم ما كنت أجرى عليهم، و أكفوهم مؤنة الطلب، فان الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه، و ارتعدت فرائصه مخافة أن يرد، فو اللَّه لرجل يتململ على فراشه يراكم موضعا لحاجته أعظم منة عليكم مما تعطونه. ثم أوصاهم بوصايا كثيرة، منها أن يوفوا ما عليه من الدين و الوعود، و أن لا يزوجوا إخوانهم إلا من الأكفاء، و أن يسودوا أكبرهم. فتكفل بذلك كله ابنه عمرو بن سعيد الأشدق، فلما مات دفنه بالبقيع ثم ركب عمرو إلى معاوية فعزاه فيه و استرجع معاوية و حزن عليه و قال: هل ترك من دين عليه؟ قال: نعم! قال: و كم هو؟ قال: ثلاثمائة ألف درهم، و في رواية ثلاثة آلاف ألف درهم، فقال معاوية: هي على! فقال ابنه: يا أمير المؤمنين، إنه أوصاني أن لا أقضى دينه إلا من ثمن أراضيه، فاشترى منه معاوية أراضى بمبلغ الدين، و سأل منه عمرو أن يحملها إلى المدينة فحملها له، ثم شرع عمرو يقضى ما على أبيه من الدين حتى لم يبق أحد، فكان من جملة من طالبه شاب معه رقعة من أديم فيها عشرون ألفا، فقال له عمرو: كيف استحققت هذه على أبى؟ فقال الشاب: إنه كان يوما يمشى وحده فأحببت أن أكون معه حتى يصل إلى منزله، فقال: ابغني رقعة من أدم، فذهبت إلى الجزارين فأتيته بهذه فكتب لي فيها هذا المبلغ، و اعتذر بأنه ليس عنده اليوم شيء. فدفع إليه عمرو ذلك المال و زاده شيئا كثيرا، و يروى أن معاوية قال لعمرو بن سعيد: من ترك مثلك لم يمت، ثم قال: رحم اللَّه أبا عثمان، ثم قال: قد مات من هو أكبر منى و من هو أصغر منى، و أنشد قول الشاعر
إذا سار من دون امرئ و أمامه* * * و أوحش من إخوانه فهو سائر
و كانت وفاة سعيد بن العاص في هذه السنة، و قيل في التي قبلها، و قيل في التي بعدها. و قال بعضهم: كانت وفاته قبل عبد اللَّه بن عامر بجمعة.
شداد بن أوس بن ثابت
ابن المنذر بن حرام، أبو يعلى الأنصاري الخزرجي، صحابى جليل، و هو ابن أخى حسان بن ثابت. و حكى ابن مندة عن موسى بن عقبة أنه قال: شهد بدرا. قال ابن مندة و هو وهم، و كان من الاجتهاد في العبادة على جانب عظيم، كان إذا أخذ مضجعه تعلق على فراشه و يتقلب عليه و يتلوى كما تتلوى الحية و يقول: اللَّهمّ إن خوف النار قد أقلقنى، ثم يقوم إلى صلاته. قال عبادة بن الصامت: