البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٩ - عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنهما
رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاستن به أحسن استنان ثم قال: «اللَّهمّ في الرفيق الأعلى».
ثم قضى. قالت:
فجمع اللَّه بين ريقي و ريقه، و مات بين سحري و نحري، في بيتي و يومى لم أظلم فيه أحدا.
و قد شهد عبد الرحمن فتح اليمامة و قتل يومئذ سبعة، و هو الّذي قتل محكم بن الطفيل. صديق مسيلمة على باطله- كان محكم واقفا في ثلمة حائط فرماه عبد الرحمن فسقط محكم، فدخل المسلمون من الثلمة فخلصوا إلى مسيلمة فقتلوه. و قد شهد فتح الشام، و كان معظما بين أهل الإسلام و نفل ليلى بنت الجودي ملك عرب الشام، نفله إياها خالد بن الوليد عن أمر عمر بن الخطاب كما سنذكره مفصلا.
و قد قال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: حدثني عبد الرحمن بن أبى بكر- و لم يجرب عليه كذبة قط- ذكر عنه حكاية أنه لما جاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة، قال عبد الرحمن لمروان: جعلتموها و اللَّه هرقلية و كسروية- يعنى جعلتم ملك الملك لمن بعده من ولده- فقال له مروان: اسكت فإنك أنت الّذي أنزل اللَّه فيك وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ فقالت عائشة: ما أنزل اللَّه فينا شيئا من القرآن، إلا أنه أنزل عذرى، و يروى أنها بعثت إلى مروان تعتبه و تؤنبه و تخبره بخبر فيه ذم له و لأبيه لا يصح عنها، قال الزبير ابن بكار: حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري عن أبيه عن جده. قال: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبى بكر بمائة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد بن معاوية، فردها عبد الرحمن و أبى أن يأخذها، و قال: أبيع ديني بدنياي؟ و خرج إلى مكة فمات بها. و قال أبو زرعة الدمشقيّ:
ثنا أبو مسهر ثنا مالك قال: توفى عبد الرحمن بن أبى بكر في نومة نامها. و رواه أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد فذكره و زاد: فأعتقت عنه عائشة رقابا. و رواه الثوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم فذكره. و لما توفى كانت وفاته بمكان يقال له الحبشي- على ستة أميال من مكة، و قيل اثنى عشر ميلا- فحمله الرجال على أعناقهم حتى دفن بأعلى مكة، فلما قدمت عائشة مكة زارته و قالت: أما و اللَّه لو شهدتك لم أبك عليك، و لو كنت عندك لم أنقلك من موضعك الّذي مت فيه، ثم تمثلت بشعر متمم بن نويرة في أخيه مالك:-
و كنا كندمانى جديمة برهة* * * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأنى و مالك* * * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
رواه الترمذي و غيره. و روى ابن سعد أن ابن عمر مرة رأى فسطاطا مضروبا على قبر عبد الرحمن- ضربته عائشة بعد ما ارتحلت- فأمر ابن عمر بنزعه و قال: إنما يظله عمله. و كانت وفاته في هذا العام في قول كثير من علماء التاريخ، و يقال إن عبد الرحمن توفى سنة ثلاث و خمسين قاله الواقدي و كاتبه محمد بن سعد و أبو عبيد و غير واحد، و قيل سنة أربع و خمسين فاللَّه أعلم.