البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٤٤ - و هذه ترجمة أمير المؤمنين عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه
عليهم حتى يخرجهم، فبينما هو على تلك الحال إذ جاءت شرفة من شرفات المسجد، فوقعت على رأسه فصرعته، و هو يتمثل بهذه الأبيات:-
أسماء أسماء لا تبكينى* * * لم يبق إلا حسبي و ديني
و صارم لانت به يميني
و قد روى أن أمه قالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: ابنك المنافق، فقالت: و اللَّه ما كان منافقا، إنه كان صواما قواما وصولا للرحم، فقال: انصرفي يا عجوز، فإنك قد خرفت، فقالت و اللَّه ما خرفت منذ سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «يخرج من ثقيف كذاب و مبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، و أما المبير فأنت».
و قال مجاهد: كنت مع ابن عمر فمر على ابن الزبير فوقف فترحم عليه ثم التفت إلى و قال: أخبرنى أبو بكر الصديق أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «من يعمل سوءا يجز به».
و روى سفيان عن ابن جريج عن أبى مليكة قال: ذكرت ابن الزبير عند ابن عباس قال: كان عفيفا في الإسلام، قارئا للقرآن، صواما قواما، أبوه الزبير، و أمه أسماء، و جده أبو بكر، و عمته خديجة، و جدته صفية، و خالته عائشة: و اللَّه لأحاسبن له بنفسي محاسبة لم أحاسبها لأبى بكر و لا لعمر. و قال الطبراني: حدثنا زكريا الناجي ثنا حوثرة بن محمد ثنا أبو أسامة ثنا سعيد ابن المرزبان أبو سعيد العبسيّ ثنا محمد بن عبد اللَّه الثقفي قال: شهدت خطبة ابن الزبير بالموسم خرج علينا قبل التروية بيوم و هو محرم قلبي بأحسن تلبية سمعتها قط، ثم حمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال:
أما بعد فإنكم جئتم من آفاق شتى وفودا إلى اللَّه عز و جل، فحق على اللَّه أن يكرم وفده، فمن كان منكم يطلب ما عند اللَّه فان طالب ما عند اللَّه لا يخيب فصدقوا قولكم بفعل، فان ملاك القول الفعل و النية النية، و القلوب القلوب، اللَّه اللَّه في أيامكم هذه فإنها أيام تغفر فيها الذنوب، جئتم من آفاق شتى في غير تجارة و لا طلب مال و لا دنيا ترجونها هاهنا، ثم لبى و لبى الناس، فما رأيت باكيا أكثر من يومئذ. و روى الحسن بن سفيان قال: ثنا حيان بن موسى ثنا عبد اللَّه بن المبارك ثنا مالك بن أنس عن وهب بن كيسان قال: كتب إلى عبد اللَّه بن الزبير بموعظة: أما بعد فان لأهل التقوى علامات يعرفون بها و يعرفونها من أنفسهم، صدق الحديث، و أداء الأمانة، و كظم الغيظ، و صبر على البلاء و رضى بالقضاء، و شكر للنعماء، و ذل لحكم القرآن، و إنما الأيام كالسوق ما نفق فيها حمل إليها، إن نفق الحق عنده حمل إليه و جاءه أهله، و إن نفق الباطل عنده حمل إليه و جاءه أهله.
و قال أبو معاوية: ثنا هشام بن عروة عن وهب بن كيسان قال: ما رأيت ابن الزبير يعطى سلمه قط لرغبة و لا لرهبة سلطان و لا غيره. و بهذه الاسنادات أهل الشام كانوا يعيرون ابن الزبير و يقولون له: يا ابن ذات النطاقين. فقالت له أسماء: يا بنى إنهم يعيرونك بالنطاقين و إنما كان لي