البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٠ - و هذه ترجمة يزيد بن معاوية
فإذا أردت أمرا فادع أهل السن و التجربة من أهل الخير من المشايخ و أهل التقوى فشاورهم و لا تخالفهم، و إياك و الاستبداد برأيك فان الرأى ليس في صدر واحد، و صدق من أشار عليك إذا حملك على ما تعرف، و اخزن ذلك عن نسائك و خدمك، و شمر إزارك، و تعاهد جندك، و أصلح نفسك تصلح لك الناس، لا تدع لهم فيك مقالا فان الناس سراع إلى الشر، و احضر الصلاة، فإنك إذا فعلت ما أوصيك به عرف الناس لك حقك، و عظمت مملكتك، و عظمت في أعين الناس، و اعرف شرف أهل المدينة و مكة فإنهم أصلك و عشيرتك، و احفظ لأهل الشام شرفهم فإنهم أهل طاعتك، و اكتب إلى أهل الأمصار بكتاب تعدهم فيه منك بالمعروف، فان ذلك يبسط آمالهم، و إن وفد عليك وافد من الكور كلها فأحسن إليهم و أكرمهم فإنهم لمن ورائهم، و لا تسمعن قول قاذف و لا ماحل فانى رأيتهم وزراء سوء.
و من وجه آخر أن معاوية قال ليزيد: إن لي خليلا من أهل المدينة فأكرمه، قال: و من هو؟ قال:
عبد اللَّه بن جعفر. فلما وفد بعد موت معاوية على يزيد أضعف جائزته التي كان معاوية يعطيه إياها، و كانت جائزته على معاوية ستمائة ألف، فأعطاه يزيد ألف ألف، فقال له: بأبي أنت و أمى، فأعطاه ألف ألف أخرى. فقال له ابن جعفر: و اللَّه لا أجمع أبوي لأحد بعدك. و لما خرج ابن جعفر من عند يزيد و قد أعطاه ألفى ألف، رأى على باب يزيد بخاتي مبركات قد قدم عليها هدية من خراسان، فرجع عبد اللَّه بن جعفر إلى يزيد فسأله منها ثلاث بخاتي ليركب عليها إلى الحج و العمرة، و إذا وفد إلى الشام على يزيد، فقال يزيد للحاجب: ما هذه البخاتي التي على الباب؟- و لم يكن شعر بها- فقال: يا أمير المؤمنين هذه أربعمائة بختية جاءتنا من خراسان تحمل أنواع الألطاف- و كان عليها أنواع من الأموال كلها- فقال: اصرفها إلى أبى جعفر بما عليها. فكان عبد اللَّه بن جعفر يقول:
أ تلومونني على حسن الرأى في هذا؟- يعنى يزيد- و قد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم و الحلم و الفصاحة و الشعر و الشجاعة و حسن الرأى في الملك. و كان ذا جمال حسن المعاشرة، و كان فيه أيضا إقبال على الشهوات و ترك بعض الصلوات في بعض الأوقات، و إماتتها في غالب الأوقات.
و قد قال الامام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن ثنا حيوة حدثني بشير بن أبى عمرو الخولانيّ أن الوليد بن قيس حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدريّ يقول: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، و يقرأ القرآن ثلاثة مؤمن و منافق و فاجر».
فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، و الفاجر يتأكل به، و المؤمن يؤمن به. تفرد به أحمد.
و قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير بن حرب ثنا الفضل بن دكين ثنا كامل أبو العلاء سمعت