البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٥ - جبلة بن الأيهم الغساني
ثم أمر جواريه المغنيات فغنينه بالعيد أن من قول حسان يمدح بنى عمه من غسان و الشعر في والد جبلة هذا الحيوان.
للَّه در عصابة نادمتهم* * * يوما بجلق في الزمان الأول
أولاد جفنة حول قبر أبيهم* * * قبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من ورد البريص عليهم* * * بردي يصفّق بالرحيق السلسل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم* * * شم الأنوف من الطراز الأول
يغشون حتى ما تهر كلابهم* * * لا يسألون عن السواد المقبل
قال: فأعجبه قولهن ذلك، ثم قال: هذا شعر حسان بن ثابت الأنصاري فينا و في ملكنا، ثم قال لي: كيف حاله؟ قلت: تركته ضريرا شيخا كبيرا، ثم قال لهن: أطربننى فاندفعن يغنين لحسان أيضا
لمن الديار أوحشت بمغان* * * بين أعلا اليرموك فالصّمّان
فالقريات من بلامس فداريا* * * فسكاء لقصور الدواني
فقفا جاسم فأودية الصفر* * * مغنى قبائل وهجان
تلك دار العزيز بعد أنيس* * * و حلوك عظيمة الأركان
صلوات المسيح في ذلك الدير* * * دعاء القسيس و الرهبان
ذاك مغنى لآل جفنة في الدهر* * * محاه تعاقب الأزمان
قد أرانى هناك حق مكين* * * عند ذي التاج مجلسى و مكاني
ثكلت أمهم و قد ثكلتهم* * * يوم حلوا بحارث الحولاني
و قد دنا الفصح فالولائد ينظمن* * * سراعا أكلّة المرجان
ثم قال: هذا لابن الفريعة حسان بن ثابت فينا و في ملكنا و في منازلنا بأكناف غوطة دمشق، قال: ثم سكت طويلا، ثم قال لهن: بكيننى، فوضعن عيدانهن و نكسن رءوسهن و قلن:
تنصرت الأشراف من عار لطمة* * * و ما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفنى فيها اللجاج و نخوة* * * و بعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمى لم تلدني و ليتني* * * رجعت إلى القول الّذي قاله عمر
و يا ليتني أرعى المخاض بقفرة* * * و كنت أسيرا في ربيعة أو مضر
و يا ليت لي بالشام أدنى معيشة* * * أجالس قومي ذاهب السمع و البصر
أدين بما دانوا به من شريعة* * * و قد يصبر العود الكبير على الدبر
قال: فوضع يده على وجهه فبكى حتى بل لحيته بدموعه و بكيت معه، ثم استدعى بخمسمائة دينار