البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣١ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
له بإيليا بيعة الجماعة، و دخل الكوفة سنة أربعين، و الصحيح الّذي قاله ابن إسحاق و الجمهور أنه بويع له بإيليا في رمضان سنة أربعين، حين بلغ أهل الشام مقتل على، و لكنه إنما دخل الكوفة بعد مصالحة الحسن له في شهر ربيع الأول سنة إحدى و أربعين، و هو عام الجماعة، و ذلك بمكان يقال له أدرج، و قيل بمسكن من أرض سواد العراق من ناحية الأنبار، فاستقل معاوية بالأمر إلى أن مات سنة ستين. قال بعضهم: كان نقش خاتم معاوية: لكل عمل ثواب. و قيل بل كان: لا قوة إلا باللَّه. و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة و سعيد بن منصور قالا: ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد. قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة- يعنى خارج الكوفة- الجمعة في الضحى ثم خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصوموا و لا لتصلوا و لا لتحجوا و لا لتزكوا، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك، و لكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، فقد أعطانى اللَّه ذلك و أنتم كارهون». رواه محمد بن سعد عن يعلى بن عبيد عن الأعمش به. و قال محمد بن سعد: حدثنا عارم ثنا حماد بن يزيد عن معمر عن الزهري أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه، ثم إنه بعد عن ذلك.
و قال نعيم بن حماد: حدثنا ابن فضيل عن السري بن إسماعيل عن الشعبي حدثني سفيان بن الليل قال: قلت للحسن بن على لما قدم من الكوفة إلى المدينة: يا مذل المؤمنين، قال:
لا تقل ذلك فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «لا تذهب الأيام و الليالي حتى يملك معاوية».
فعلمت أن أمر اللَّه واقع، فكرهت أن تهراق بيني و بينه دماء المسلمين.
و قال مجالد عن الشعبي عن الحارث الأعور. قال قال على بعد ما رجع من صفين: أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرءوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل.
و قال ابن عساكر باسناده عن أبى داود الطيالسي: ثنا أيوب بن جابر عن أبى إسحاق عن الأسود بن يزيد قال قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الخلافة؟ فقالت: و ما تعجب من ذلك؟ هو سلطان اللَّه يؤتيه البر و الفاجر، و قد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة، و كذلك غيره من الكفار.
و قال الزهري: حدثني القاسم بن محمد أن معاوية حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة فكلمها خاليين لم يشهد كلامهما أحد إلا ذكوان أبو عمرو مولى عائشة، فقالت: أمنت أن أخبأ لك رجلا يقتلك بقتلك أخى محمدا؟ فقال: صدقتي، فلما قضى معاوية كلامه معها تشهدت عائشة ثم ذكرت ما بعث اللَّه به نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الهدى و دين الحق، و الّذي سن الخلفاء بعده، و حضّت معاوية على العدل و اتباع أثرهم، فقالت في ذلك فلم يترك له عذرا، فلما قضت مقالتها قال لها معاوية: أنت و اللَّه العالمة العاملة بأمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، الناصحة المشفقة البليغة الموعظة، حضضت على الخير، و أمرت به، و لم تأمرينا إلا بالذي هو لنا مصلحة، و أنت أهل أن تطاعى. و تكلمت هي و معاوية