البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤ - خلافة الحسن بن على رضى اللَّه عنه و عن أبيه و أمه
خلافة الحسن بن على رضى اللَّه عنه و عن أبيه و أمه
قد ذكرنا
أن عليا رضى اللَّه عنه لما ضربه ابن ملجم قالوا له: استخلف يا أمير المؤمنين فقال:
لا و لكن أدعكم كما ترككم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- يعنى بغير استخلاف- فان يرد اللَّه بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)،
فلما توفى و صلى عليه ابنه الحسن- لأنه أكبر بنيه رضى اللَّه عنهم- و دفن كما ذكرنا بدار الامارة على الصحيح من أقوال الناس، فلما فرغ من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن على رضى اللَّه عنه قيس بن سعد بن عبادة فقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب اللَّه و سنة نبيه، فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده، و كان ذلك يوم مات على، و كان موته يوم ضرب على قول و هو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين، و قيل إنما مات بعد الطعنة بيومين، و قيل مات في العشر الأخير من رمضان، و من يومئذ ولى الحسن ابن على، و كان قيس بن سعد على إمرة أذربيجان، تحت يده أربعون ألف مقاتل، قد بايعوا عليا على الموت، فلما مات على ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير لقتال أهل الشام، فعزل قيسا عن إمرة أذربيجان، و ولى عبيد اللَّه بن عباس عليها، و لم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدا، و لكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يسمع بمثله، فأمر الحسن بن على قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثنى عشر ألفا بين يديه، و سار هو بالجيوش في أثره قاصدا بلاد الشام، ليقاتل معاوية و أهل الشام فلما اجتاز بالمدائن نزلها و قدم المقدمة بين يديه، فبينما هو في المدائن معسكرا بظاهرها، إذ صرخ في الناس صارخ: ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطا كان جالسا عليه، و طعنه بعضهم حين ركب طعنة أثبتوه و أشوته فكرههم الحسن كراهية شديدة، و ركب فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله و هو جريح، و كان عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي- أخو أبى عبيد صاحب يوم الجسر- فلما استقر الجيش بالقصر قال المختار بن أبى عبيد قبحه اللَّه لعمه سعد بن مسعود: هل لك في الشرف و الغنى؟ قال: ما ذا؟ قال: تأخذ الحسن بن على فتقيده و تبعثه إلى معاوية، فقال له عمه: قبحكم اللَّه و قبح ما جئت به، أغدر بابن بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ و لما رأى الحسن بن على تفرق جيشه عليه مقتهم و كتب عند ذلك إلى معاوية بن أبى سفيان- و كان قد ركب في أهل الشام فنزل مسكن- يراوضه على الصلح بينهما، فبعث إليه معاوية عبد اللَّه بن عامر و عبد الرحمن بن سمرة، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما أراد من الأموال، فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف درهم، و أن يكون خراج داربجرد له، و أن لا يسب على و هو يسمع، فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة