البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٤ - و هذه ترجمة معاوية رضى اللَّه عنه و ذكر شيء من أيامه و دولته و ما ورد في مناقبه و فضائله (رحمه اللَّه)
برسالة لتبلغها، فقلت: و من أرسلك؟ قال: اللَّه أرسلنى إليك لتبلغ معاوية السلام و تعلمه أنه من أهل الجنة، فقلت له. و من معاوية؟ قال: معاوية بن أبى سفيان» و رواه الطبراني عن أبى يزيد القراطيسي عن المعلى بن الوليد القعقاعي عن محمد بن حبيب الخولانيّ عن أبى بكر بن عبد اللَّه بن أبى مريم الغساني، و فيه ضعف و هذا غريب جدا، و لعل الجميع مناما، و يكون قوله: إذ انتبهت من نومي مدرجاً لم يضبطه ابن أبى مريم، و اللَّه أعلم.
و قال محمد بن عائذ عن الوليد عن ابن لهيعة عن يونس عن الزهري. قال: قدم عمر الجابية فنزع شرحبيل و أمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر، و نفى الشام على أميرين أبى عبيدة و يزيد، ثم توفى أبو عبيدة فاستخلف عياض بن غنم، ثم توفى يزيد فأمر معاوية مكانه، ثم نعاه عمر لأبى سفيان، فقال لأبى سفيان: احتسب يزيد بن أبى سفيان، قال: من أمرت مكانه؟ قال: معاوية، فقال: وصلت رحما يا أمير المؤمنين، فكان معاوية على الشام، و عمير بن سعد حتى قتل عمر، رضى اللَّه عنهم. و قال محمد بن إسحاق: مات أبو عبيدة في طاعون عمواس و استخلف معاذا، فمات معاذ و استخلف يزيد بن أبى سفيان، فمات و استخلف أخاه معاوية فأقره عمر، و ولى عمرو بن العاص فلسطين و الأردن، و معاوية دمشق و بعلبكّ و البلقاء، و ولى سعد بن عامر بن جذيم حمص، ثم جمع الشام كلها لمعاوية بن أبى سفيان، ثم أمره عثمان بن عفان على الشام. و قال إسماعيل بن أمية: أفرد عمر معاوية بإمرة الشام، و جعل له في كل شهر ثمانين دينارا. و الصواب أن الّذي جمع لمعاوية الشام كلها عثمان بن عفان، و أما عمر فإنه إنما ولاه بعض أعمالها. و قال بعضهم: لما عزيت هند في يزيد بن أبى سفيان- و لم يكن منها- قيل لها: إنه قد جعل معاوية أميرا مكانه، فقالت: أو مثل معاوية يجعل خلفا من أحد؟ فو اللَّه لو أن العرب اجتمعت متوافرة ثم رمى به فيها لخرج من أي أعراضها (نواحيها) شاء. و قال آخرون: ذكر معاوية عند عمر فقال: دعوا فتى قريش و ابن سيدها، إنه لمن يضحك في الغضب و لا ينال منه إلا على الرضا، و من لا يأخذ من فوق رأسه إلا من تحت قدميه.
و قال ابن أبى الدنيا: حدثني محمد بن قدامة الجوهري حدثني عبد العزيز بن يحيى عن شيخ له. قال:
لما قدم عمر بن الخطاب الشام تلقاه معاوية في موكب عظيم، فلما دنا من عمر قال له: أنت صاحب الموكب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: هذا حالك مع ما بلغني من طول وقوف ذوى الحاجات ببابك؟ قال: هو ما بلغك من ذلك. قال: و لم تفعل هذا؟ لقد هممت أن آمرك بالمشي حافيا إلى بلاد الحجاز، قال: يا أمير المؤمنين إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام و أهله و يرهبهم به، فان أمرتنى فعلت، و إن نهيتني انتهيت. فقال له عمر: يا معاوية ما سألتك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن كان ما قلت حقا إنه