البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين
الرواع بمكان يقال له المذار: فاقتتلوا معهم فهزمهم الخوارج ثم كروا عليهم فهزمتهم الخوارج، و لكن لم يقتل أحد منهم، فلزموا مكانهم في مقاتلتهم ينتظرون قدوم أمير الجيش معقل بن قيس عليهم، فما قدم عليهم إلا في آخر نهار غربت فيه الشمس، فنزل و صلى بأصحابه، ثم شرع في مدح أبى الرواع فقال له: أيها الأمير إن لهم شدات منكرة، فكن أنت ردء الناس، و مر الفرسان فليقاتلوا بين يديك، فقال معقل بن قيس: نعم ما رأيت، فما كان إلا ريثما قال له ذلك حتى حملت الخوارج على معقل و أصحابه، فانجفل عنه عامة أصحابه، فترجل عند ذلك معقل بن قيس و قال: يا معشر المسلمين الأرض الأرض، فترجل معه جماعة من الفرسان و الشجعان قريب من مائتي فارس، منهم أبو الرواع الشاكري، فحمل عليهم المستورد بن علقمة بأصحابه فاستقبلوهم بالرماح و السيوف، و لحق بقية الجيش بعض الفرسان فدمرهم و عيرهم و أنبهم على الفرار فرجع الناس إلى معقل و هو يقاتل الخوارج بمن معه من الأنصار قتالا شديدا، و الناس يتراجعون في أثناء الليل، فصفهم معقل بن قيس ميمنة و ميسرة و رتبهم و قال: لا تبرحوا على مصافكم حتى نصبح فنحمل عليهم، فما أصبحوا حتى هزمت الخوارج فرجعوا من حيث أتوا، فسار معقل في طلبهم و قدم بين يديه أبا الرواع في ستمائة فالتقوا بهم عند طلوع الشمس فثار إليهم الخوارج فتبارزوا ساعة، ثم حملوا حملة رجل واحد فصبر لهم أبو الرواع بمن معه، و جعل يدمرهم و يعيرهم و يؤنبهم على الفرار و يحثهم على الصبر فصبروا و صدقوا في الثبات حتى ردوا الخوارج إلى أماكنهم، فلما رأت الخوارج ذلك خافوا من هجوم معقل عليهم فما يكون دون قتلهم شيء، فهربوا بين أيديهم حتى قطعوا دجلة و وقعوا في أرض نهر شير، و تبعهم أبو الرواع و لحقه معقل بن قيس، و وصلت الخوارج إلى المدينة العتيقة فركب إليهم شريك بن عبيد- نائب المدائن- و لحقهم أبو الرواع بمن معه من المقدمة. و حج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة.
و ممن توفى بها عمرو بن العاص و محمد بن مسلمة رضى اللَّه عنهما. أما عمرو بن العاص [فهو عمرو ابن العاص] بن وائل بن هشام بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب القرشي السهمي، أبو عبد اللَّه، و يقال أبو محمد، أحد رؤساء قريش في الجاهلية، و هو الّذي أرسلوه إلى النجاشي ليرد عليهم من هاجر من المسلمين إلى بلاده فلم يجبهم إلى ذلك لعدله، و وعظ عمرو بن العاص في ذلك، فيقال إنه أسلم على يديه و الصحيح أنه إنما أسلم قبل الفتح بستة أشهر هو و خالد بن الوليد، و عثمان بن طلحة العبدري. و كان أحد أمراء الإسلام، و هو أمير ذات السلاسل، و أمده رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمدد عليهم أبو عبيدة و معه الصديق و عمر الفاروق، و استعمله رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على عمان فلم يزل عليها مدة حياة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أقره عليها الصديق.
و قد قال الترمذي:
ثنا قتيبة ثنا ابن لهيعة ثنا مشرح بن عاهان عن عقبة بن عامر. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «أسلم