البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٢ - فصل
على اللَّه من ذلك، كذاب مفتر على اللَّه و رسوله،
و قال الامام أحمد: حدثنا ابن إسحاق بن يوسف ثنا ابن عوف الصديق الناجي أن الحجاج بن يوسف دخل عل أسماء بنت أبى بكر الصديق، بعد ما قتل ابنها عبد اللَّه بن الزبير فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، و إن اللَّه أذاقه من عذاب أليم، و فعل به و فعل، فقالت له كذبت، كان بارا بالوالدين، صواما قواما، و اللَّه لقد أخبرنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «أنه سيخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، و هو مبير». هكذا رواه أحمد بهذا السند و اللفظ.
و قد أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل عن عقبة بن مكرم العمى البصري عن يعقوب بن إسحاق الحضرميّ عن الأسود بن شيبان عن أبى نوفل عن أبى عقرب و اسمه معاوية بن سلم عن أسماء بنت أبى بكر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «إن في ثقيف كذابا و مبيرا».
و في الحديث قصة طويلة في مقتل الحجاج ولدها عبد اللَّه في سنة ثلاث و سبعين كما سيأتي، و قد ذكر البيهقي هذا الحديث في دلائل النبوة، و قد ذكر العلماء أن الكذاب هو المختار بن أبى عبيد، و كان يظهر التشيع و يبطن الكهانة، و أسرّ إلى أخصائه أنه يوحى إليه، و لكن ما أدرى هل كان يدعى النبوة أم لا؟ و كان قد وضع له كرسي يعظم و يحف به الرجال، و يستر بالحرير، و يحمل على البغال، و كان يضاهى به تابوت بنى إسرائيل المذكور في القرآن، و لا شك أنه كان ضالا مضلا أراح اللَّه المسلمين منه بعد ما انتقم به من قوم آخرين من الظالمين، كما قال تعالى وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ و أما المبير فهو القتال و هو الحجاج بن يوسف الثقفي نائب العراق لعبد الملك ابن مروان، الّذي انتزع العراق من يد مصعب بن الزبير، كما سيأتي بيانه قريبا.
و ذكر الواقدي أن المختار لم يزل مظهرا موافقة ابن الزبير حتى قدم مصعب إلى البصرة في أول سنة سبع و ستين و أظهر مخالفته فسار إليه مصعب فقاتله و كان المختار في نحو من عشرين ألفا، و قد حمل عليه المختار مرة فهزمه، و لكن لم يثبت جيش المختار حتى جعلوا ينصرفون إلى مصعب و يدعون المختار، و ينقمون عليه ما هو فيه من الكهانة و الكذب، فلما رأى المختار ذلك انصرف إلى قصر الامارة فحاصره مصعب فيه أربعة أشهر، ثم قتله في رابع عشر رمضان سنة سبع و ستين، و له من العمر سبع و ستون سنة فيما قيل
فصل
و لما استقر مصعب بن الزبير بالكوفة بعث إلى إبراهيم بن الأشتر ليقدم عليه، و بعث إليه عبد الملك بن مروان ليقدم عليه، فحار ابن الأشتر في أمره، و شاور أصحابه إلى أيهما يذهب، ثم اتفق رأيهم على الذهاب إلى بلدهم الكوفة، فقدم ابن الأشتر على مصعب بن الزبير فأكرمه و عظمه